الرأي

أين هم أبناءُ الشهداء وأبناءُ المجاهدين؟

    “النار تجيب الرماد”؛ مَثَلٌ شعبي جزائري ضاربٌ في عمق الفلسفة الاجتماعية، يختزل بمرارة هائلة كيف يمكن للجمر المتّقد الذي أحرق جيوش الاستعمار الفرنسي، أن ينتهي إلى رمادٍ خامد لا دِفء فيه ولا حيوية. هذا المثل يجد تجسيده الأوضح اليوم عند تأمل المفارقة الصادمة في المشهد الوطني الجزائري: كيف لجيل المقاومة والتحرير ــ أولئك النساء والرجال الذين صاغوا بدمائهم وجرأتهم تاريخا أبهر العالم ــ أن يعقُبَهم في قيادة تنظيماتهم الفئوية مسؤولو “منظمة أبناء الشهداء” و”منظمة أبناء المجاهدين”؟ هؤلاء المسؤولون، ورغم الشهادات الأكاديمية والتكوين الحديث والامتيازات التي حظوا بها والمساعدات المالية التي حصلوا عليها من الدولة كل سنة مساعدةً لتنظيماتهم، عجزوا تماما عن مجاراة كاريزما آبائهم، وتحولوا في مجملهم إلى مجرد أرقام بروتوكولية، وأسماء منسية في قوالب إدارية جافة، تفتقد الروح والثبات والنخوة التي جعلت جيل نوفمبر منارة لا تنطفئ.

كلامي هذا يركز حصرا على بعض المسؤولين والقيادات الذين تعاقبوا على رأس هذه التنظيمات، وخاصة المسؤولين الحاليين الذين مازالوا يشرفون عليها، ولا يمسّ كلامي هنا، بأي حال من الأحوال الأبناء البسطاء من عائلات الشهداء والمجاهدين الذين ظلوا أوفياء لعهد آبائهم في صمت وعزة نفس.

وتظل الثورة التحريرية الجزائرية واحدة من أعظم الملاحم الإنسانية في القرن العشرين، لا لأنها دحرت واحدة من أعتى القوى الاستعمارية فحسب، بل لأنها أسِّست على عقيدة فكرية وأخلاقية صارمة صاغها بيان أول نوفمبر 1954. ومع ذلك، يطرح الواقع المعاصر، بشروخه وتناقضاته، سؤالا جوهريا يتردد في النقاش العامّ بمرارة: هل رفع الشهداء والمجاهدون السلاح وبذلوا مُهْجَهُم من أجل استقلال الجزائر بأكملها ولصالح شعبها قاطبة من دون تمييز، أم أن كفاحهم كان مُمَسْرَحا لتأمين مستقبلٍ فئوي يستأثر فيه أبناؤهم بالامتيازات دون بقية أبناء الشعب؟

إن الإجابة عن هذا التساؤل تقتضي الفصل الحاسم بين نُبل الجيل المؤسِّس الذي تحررت إرادته من الحسابات الضيقة، وبين الممارسات الوظيفية لبعض مسؤولي التنظيمات الفئوية الذين حاولوا عبر العقود الماضية تحويل الرصيد الرمزي الثوري إلى جدار طَبَقي ورَيع مادي؛ فالشهيد الذي غادر قريته حافي القدمين واستُشهد في أعالي الجبال، والمجاهد الذي واجه مقصلة المستعمِر، لم يكتبوا وصاياهم لحجز مناصب إدارية أو رخص امتياز لأبنائهم، بل كتبوها بدمائهم لتتحرر الأرض ويسترجع الإنسان الجزائري كرامته المغتصَبة، ليكون ابن الفلاح البسيط وابن الشهيد وابن المجاهد سواء أمام القانون وفي فرص العيش. إن محاولة حصر ميراث الثورة في سلالة بيولوجية محددة، وتحويل “العائلة الثورية” من فضاء للقدوة والنخوة إلى أداة للمطالبة بالامتيازات الحصرية، هو الجناية الأكبر على فكر نوفمبر؛ فالنارُ التي أشعلها الأجداد كانت تضيء درب وطن بأكمله، ولم تكن يوما لتُورَّث كرماد نفعي يستدفئ به قلة من المسؤولين على حساب طموحات شعبٍ بأكمله.

تظل الذاكرة الوطنية لأي أمة هي القلعة الحصينة التي تحمي سيادتها وتصون هويتها من رياح الطمس والتزييف؛ وفي هذا السياق التاريخي المعاصر، يُسجِّل التاريخ للرئيس عبد المجيد تبون أنه أول رئيس للجمهورية منح ملف الذاكرة الوطنية أولوية إستراتيجية قصوى، ناقلا إياه من مجرد مناسبات بروتوكولية عابرة إلى عمق صناعة القرار السياسي والسيادي للبلاد. ولم تقتصر هذه العناية الفائقة على الخطابات، بل تُرجمت إلى قرارات ومؤسسات دولة راسخة، وكان على رأسها القرار التاريخي بإنشاء “يوم وطني للذاكرة” يُخلّد في الثامن من ماي من كل سنة، تقديرا لتضحيات شهداء مجازر 1945 النكراء، وجعله محطة سنوية محورية لربط الأجيال الجديدة ببطولات أجدادهم. لقد أدرك الرئيس تبون منذ توليه سدة الحكم أن معركة التحرير الباسلة يجب أن تتبعها معركة حراسة الذاكرة ندًّا لندٍّ في وجه كل المناورات الخارجية، ليؤكد للعالم أجمع أن جزائر اليوم، وهي تبني مؤسساتها وتتحرك نحو المستقبل، تقف على أرضية صلبة من الوفاء المطلق لرسالة نوفمبر الخالدة.

لم يعد الدفاع عن الذاكرة الوطنية في جزائر اليوم مجرد شعارات تُرفع في المناسبات، بل تحوَّل إلى إستراتيجية بناء فكري متكاملة تمس عمق المنظومة التربوية والأكاديمية للبلاد. ويُسجِّل التاريخ للرئيس عبد المجيد تبون خطوته السيادية غير المسبوقة، التي جعلت التاريخ مادةً أساسية وإجبارية عابرة لكل الأطوار التعليمية، بدءا من مرحلة التعليم الابتدائي ووصولا إلى المدرجات الجامعية وفي مختلف التخصصات العلمية والتكنولوجية والطبية من دون استثناء.

هذا القرارُ الاستراتيجي، الذي يُحسَب بقوة للرئيس تبون، يمثل تحوُّلا جذريا في فلسفة التعليم؛ فهو لم يعد يحصر التاريخ في خانة العلوم الإنسانية الأدبية، بل جعله قسما مشتركا لجميع الطلبة الجزائريين، بهدف تحصين الجيل الصاعد ــ جيل الرقمنة والذكاء الاصطناعي ــ وتزويده بوعي تاريخي صارم يربط مهندس المستقبل وطبيبه بجذور وطنه الحقيقية. إنها خطوة رائدة جعلت مناهج التعليم حائط صدّ منيع في وجه محاولات الطمس والتشويه، وتأكيدا عميقا على أن معركة التحرير التي خاضها الأجداد بالأمس، تُخاض اليوم في قاعات الدراسة بالبحث والعلم والمعرفة الواعية.

حين يتحدث التاريخ في الجزائر، يصمت الجميع إجلالا؛ وحين يكون المتحدث مجاهدا شقّ طريق الحرية بجسده، يتحول الحديث إلى درسٍ حي في الوفاء. لعل المجاهد أمحند واعمر بن الحاج (أطال الله في عمره ومتعه بالصحة) هو التجسيد الأسمى لهذا الشموخ النوفمبري؛ فالرجل الذي غادر معارك الثورة التحريرية المباركة تاركا أشلاءه في ميدان الشرف ــ بعد أن فدى الجزائر برِجله اليمنى، وأصيبت يده اليسرى بشللٍ يحمل أوسمة التضحيةــ يرفض اليوم، ورغم ثقل السنين وعقود العمر التي قاربت القرن، أن يترجَّل عن صهوة الكفاح. لم تمنعه حالته الصحية الصعبة ولا جراحه القديمة من أن يواصل “الجهاد الرقمي”؛ فاقتحم عالم الرقمنة واعتلى منبر قناته على “اليوتيوب”، ليقود معركة حراسة الذاكرة بالكلمة الصادقة والموقف الصارم، واضعا النقاط على الحروف بالمرصاد لكل مناورات المستعمِر القديم.

وفي مقابل هذه الجمرة المتقدة التي ترفض الخمود، يضعنا الواقع أمام مفارقة تدمي القلوب؛ ففي الوقت الذي يناضل فيه هذا الشيخ الطاعن في التضحية بجسده المتعَب وفكره المستنير، نجد مسؤولي تنظيمات “أبناء الشهداء” و”أبناء المجاهدين” اليوم ــ ممن هم في سن أبنائه وأحفاده ويملكون كامل الصحة والجهوزية والتكوين ــ يغرِّدون خارج السرب تماما. لقد انكفأت تلك القيادات على حساباتها الضيقة، وخطاباتها الخشبية الجافة، غافلةً عن معارك الوطن الفكرية والسيادية الحالية، وكأنهم أصيبوا بشللٍ في الموقف والهمّة، بينما ظلّ “عمي أمحند واعمر بن الحاج” بجسده المثقَل بالجراح يلقن الجميع درسا بليغا: أن النضال من أجل الجزائر لا ينتهي بانتهاء المعارك، وأن روح نوفمبر لا تُورَّث ببطاقات العضوية، بل بالثبات على العهد حتى آخر نبض.

وتأتي الجلسات الوطنية الخاصة بكتابة الذاكرة وتوثيقها، والتي كشف عنها وزير المجاهدين وذوي الحقوق مؤخرا، لتضع الجزائر أمام مرحلة مفصلية في كيفية التعاطي مع إرثها التاريخي؛ خطوةٌ تؤكد أن معركة الذاكرة مع فرنسا قد انتقلت فعليا من خانة السِّجالات والمناسبات إلى طور التدوين العلمي والمنهجي. وفي خضمِّ هذا الحراك الرسمي الثقيل، يبرز تساؤلٌ مشروع يفرض نفسه على الساحة الوطنية: أين هو حضور مسؤولي تنظيمات “أبناء الشهداء” و”أبناء المجاهدين” من هذه الورشات المصيرية؟ وماذا عساهم أن يقدِّموا لكتابة التاريخ بعد أن أثبتت الوقائع انكفاءهم وتغريدهم خارج سرب المعارك السيادية الحالية؟

إن الواقع المعاصر يُثبت أن الذاكرة الوطنية ليست تركة بيولوجية تُورَّث، ولا يمكن اختزالها في أختام إدارية لتنظيمات فئوية استهلكت رصيدها في الحسابات الضيقة؛ بل هي ملكٌ جماعي لكل الجزائريين من دون استثناء. ومن هذا المنطلق، يصبح لزاما أن تُسنَد عملية الكتابة والتوثيق في هذه الجلسات الخاصة إلى أهل الاختصاص الحقيقيين: من خبراء، ومؤرخين، وأساتذة جامعيين يملكون أدوات البحث العلمي والمنهجية الأكاديمية الصارمة. إن ترك هذا الملف السيادي للنخبة الفكرية والجامعية هو الرد الأمثل لحمايته من العاطفة والارتجال، وضمان صياغة أرشيف وطني قوي وعصري، يقف حائط صدّ منيعا أمام محاولات الطمس والاستصغار التي تقودها باريس.

الشهيد الذي غادر قريته حافي القدمين واستُشهد في أعالي الجبال، والمجاهد الذي واجه مقصلة المستعمِر، لم يكتبوا وصاياهم لحجز مناصب إدارية أو رخص امتياز لأبنائهم، بل كتبوها بدمائهم لتتحرر الأرض ويسترجع الإنسان الجزائري كرامته المغتصَبة، ليكون ابن الفلاح البسيط وابن الشهيد وابن المجاهد سواء أمام القانون وفي فرص العيش.

مقالات ذات صلة