أين هي الدولة؟
قيل إن أحد الإخوة الضباط سأل أحد الإخوة الذين فُتنوا بالسجن والتعذيب في الفتنة التي أصابت الجزائر في تسعينيات القرن الماضي، وما تزال ارتداداتها متواصلة إلى يومنا هذا، ولا يعلم منتهاها إلا علام الغيوب، والتي لم يستفد منها إلا أراذلُنا الذين استغلوا تلك الفتنة، فاستحوذوا على ثروات الجزائر، ثم اشتروا بتلك الثروات المناصب والمسؤوليات، وقد يبيعون الجزائر نفسها لإشباع بطونهم وما تحتها..
سأل ذلك الضابط، الذي كان لطيفا، مؤدبا، مثقفا، سأل ذلك الأخ المفتون: ماذا تريد أنت ومن معك وعلى مذهبك السياسي؟
أجاب ذلك الأخ المفتون، وهو يرسم على شفتيه ابتسامة هادئة، لبث الطمأنينة في نفس الضابط: نريد إقامة الدولة الإسلامية.
ما كاد آخر حرف يخرج من حلق ذلك الأخ المفتون حتى خُيّل إليه كأن الأرض زُلزلت تحت قدميه، قبل أن يتبيَّن أن ما أحسَّ به ليس إلا بسبب ضحكة على “سُلم ضحكة الشاب خالد”..
انتظر ذلك المفتون حتى هدأت سورة ضحك الأخ الضابط وسأله “وبراءة الأطفال في عينيه” كما يقول نزار قباني:
ما الذي أضحكك حتى أبكاك، وحتى ظهرت “ضرسة العقل” في أقصى فمك..؟
استرجع الأخ الضابط جدّيته و”صرامته”، واعتدل في جلسته، واغترف غرفة ماء من كأس أمامه، وقال لصاحبه:
يا سي (…) منذ ثلاثين سنة، ونحن نجتهد آناء الليل وأطراف النهار لإقامة “دولة “normale” ولمّا ننجح في ذلك إلى حد الآن، وأنتم تريدون إقامة “دولة إسلامية” بين عشية وضحاها؟! وخيّم الصمت على المكان ثم افترق الأخوان وكل منهما يفكر في “دولته” الـ”normale” والـ”Super” وها نحن بعد أربع وخمسين سنة نرى دولتنا التي أسست على التدابر والتنافر، بل على التآمر والتقاتل تجتهد للظهور بمظهر الدولة الـ”normale”، فلا الإدارات إدارات، ولا المؤسسات مؤسسات، ولا الأحزاب أحزاب..
إن ما وقع ويقع في إدارتنا ومؤسساتنا المختلفة، وما سمعناه ونسمعه من “كبار” مسئولينا يؤكد ما قاله ذلك الأخ الضابط من أننا لما ننجح في إقامة دولة normale وحتى “الإخوة الإسلاميين” الذين وعدونا بـ”جنة” في الحياة الدنيا، وأنهم سيُخرجوننا من الظلمات إلى النور، ومن الفوضى إلى النظام، ومن الظلم إلى العدل.. إذا هم ينشقون على أنفسهم، بل سمعنا بعضهم يسبّ بعضا، ورأينا بعضهم يكيد لبعض وشاهدنا بعضهم يزحف على بطنه لنيل منصب أو تحقيق مكسب.. وكثير منهم من الذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم…