الرأي

أيها الأوربيون‮: ‬طلعت ريحتكم‮‬

سهيل الخالدي
  • 2028
  • 0

ربما‮ ‬يمكننا القول إنه باستثناء الموقف الألماني‮ ‬من‮ ‬قضية اللاجئين المستند بشكل شبه كامل إلى المصالح الاستراتيجية لألمانيا،‮ ‬فإن الموقف الأوربي‮ ‬بمجمله‮ ‬يشكل عارا كبيرا لأوروبا‮: ‬غنيها وفقيرها،‮ ‬غربيها وشرقيها،‮ ‬سياسييها وأحزابها‮ ‬والأغلبية الكاسحة من مجتمعها المدني‮.‬

لماذا؟

‭ ‬حاولت فرنسا ومعها الدول الأوربية أن تحمّل المجر المسؤولية الأخلاقية في‮ ‬موضوع اللاجئين،‮ ‬لكن المجر رغم عجزها الإعلامي‮ ‬والسياسي‮ ‬عن مواجهة الحملات الأوربية،‮ ‬إلا أنها تمسكت بموقفها الرافض لهؤلاء اللاجئين وقالت إنها تنفذ قوانين الاتحاد الأوروبي،‮ ‬أي‮ ‬إن المجر كشفت بموقفها هذا الذي‮ ‬لم‮ ‬يرضَه العالم أخلاقيا عن النفاق الأوربي‮ ‬في‮ ‬التعامل مع مشاكل العالم‮. ‬وهنا أصبحت أوروبا مكشوفة على المباشر أمام الدنيا بأكملها‮.. ‬وسارعت إلى ترقيعه لكن دون جدوى حتى الآن‮.‬

‭ ‬وألمانيا بإصرارها على استقبال اللاجئين استنادا إلى مصالحها الاستراتيجية الديموغرافية والاقتصادية والثقافية ساعدت وساندت جوهريا الموقف المجري‮.‬

فأوروبا تقف اليوم عارية أمام التاريخ‮.. ‬

كيف؟

كلنا‮ ‬يعرف أن بودابست التي‮ ‬سحقتها موسكو عام‮ ‬1956‮ ‬حين حاول رجُلها إمري‮ ‬ناجي‮ ‬التمرد،‮ ‬وكذلك تشيكيا التي‮ ‬أذلتها الدبابات الروسية عام‮ ‬1968‮ ‬بعد محاولة تمرد،‮ ‬هي‮ ‬دول وشعوب‮ ‬غير متدينة‮. ‬فلماذا اعتبرت دين هؤلاء اللاجئين سببا لرفضهم؟ هل هناك مشكلة دينية في‮ ‬هذه الدول؟ نحن نعلم أن في‮ ‬دول أوروبا الغربية التي‮ ‬تدعي‮ ‬أنها دول علمانية وغير دينية،‮ ‬مشكلة بل مشكلات دينية عميقة وعويصة تهدد ببروز إثنياتها القومية والدينية على حساب كيانها السياسي‮ ‬أو الدولاني‮ ‬ـ إن صح التعبير‮. ‬وبلغة أخرى،‮ ‬إن التحالف المتوقع بين الشرق وأوروبا،‮ ‬الذي‮ ‬تحدّث عنه هينتغتون لم‮ ‬يمكن تفاديه سواء بخلق طالبان والقاعدة وداعش والأكراد واليزيدين والشيعة،‮ ‬فهذا الشرق بكله وكلكله‮ ‬يتدفق نحو أوروبا وكأنه شلال من البشر‮ ‬ينهمر فأخذ في‮ ‬لحظاته الأولى‮ ‬يحك القشرة الأوروبية ويكشف ما‮ ‬يمور تحت جلدها من دمامل وقروح تنتمي‮ ‬إلى العصور الخوالي،‮ ‬ويبدو أنها تقيحت فلم تعد بحاجة إلى سوى هذه الموجة لينتشر نتنها‮  ‬الخانق‮. ‬

‭ ‬والمضحك المبكي‮ ‬في‮ ‬هذا الشلال البشري‮ ‬أنه تدفقٌ‮ ‬سني؛ فليس بين المهاجرين السوريين أو حتى الأفغان علويٌ‮ ‬شيعي‮ ‬واحد‮.. ‬أي‮ ‬إن الساحة تُفرغ‮ ‬من السنة لهؤلاء الشيعة الذين تدّعي‮ ‬أوروبا أنها تقاوم دولتهم في‮ ‬إيران التي‮ ‬ترى أن أتباعها الدينيين،‮ ‬في‮ ‬سوريا ولبنان خصوصا،‮ ‬هم في‮ ‬طريقهم لأن‮ ‬يكونوا الأغلبية،‮ ‬فيسقطون في‮ ‬يد السعودية وتركيا اللتين تدّعيان حماية السنة؟ وربما‮ ‬يؤدي‮ ‬الأمر إلى تكوين الدولة الدرزية التي‮ ‬وعد بها شارون وليد جنبلاط عام1982‮ ‬حين التقاه في‮ ‬المختارة‮  ‬فتتكوّن دولة مسلمة لا سنية ولا شيعية تؤمن بألوهية الحاكم في‮ ‬مقاربة مع مفهوم الفقيه الشيعي،‮ ‬ومفهوم الفرعون الذي‮ ‬يتجه إليه السيسي‮ ‬في‮ ‬مصر‮.‬

وهنا لدي‮ ‬عدة أسئلة أوجهها إلى الأوربيين‮:‬

1‭- ‬ما معنى إشارة رئيس وزراء المجر إلى احتمال تدفق مهاجرين من شمال وغرب إفريقيا إلى أوروبا؟ هل هناك نية لدى أوروبا في‮ ‬تعميم ما تسميه الربيع العربي‮ ‬إلى هذه البلدان؟

2‭- ‬ما معنى السكوت الأمريكي‮ ‬المطبق عن مشكلة اللاجئين العرب المسلمين؟ هل هو إضافة إلى سكوتها عن مشكلة مسلمي‮ ‬ميانمار وآسيا؟

3‭- ‬ما معنى مقابلة السفيرة الأمريكية لمسؤول حزب إسلامي‮ ‬في‮ ‬الجزائر،‮ ‬وفي‮ ‬نفس الوقت تدعيم موقف الإسلاميين في‮ ‬المغرب المجاور،‮ ‬هل هناك نية لإيصال الإسلاميين إلى السلطة كما خطط معهد راند في‮ ‬1996‮ ‬للضغط على أوروبا؟

4‭- ‬لماذا لم‮ ‬يجتمع أصدقاء الشعب السوري‮ ‬حين بدأت تظهر الكوارث التي‮ ‬نجمت عن دعمهم من قالوا إنهم معارضة بالمال والسلاح،‮ ‬فهذا المال وهذا السلاح ساهما في‮ ‬صنع الكوارث تماما كما ساهم السلاح والمال الروسي‮ ‬والإيراني‮ ‬والسعودي‮ ‬في‮ ‬صنعه؟

5‭- ‬هل نجحت أوروبا بالتحالف مع أمريكا في‮ ‬تفتيت العرب عبر مخطط إعادة الشرقنة؟ أم إن أمريكا هي‮ ‬التي‮ ‬نجحت في‮ ‬تصدير المشكلات الطائفية والعرقية إلى أوروبا وهاهي‮ ‬تهدد الاتحاد الأوروبي‮ ‬حيث بدأت الدول الأوروبية ترجع إلى مصلحتها القومية‮ ‬غير الاتحادية،‮ ‬أي‮ ‬إنها تفعل الآن ما تفعله الدول العربية حين رفضت الوحدة فغرقت في‮ ‬مشكلاتها الذاتية حتى إنها تعجز عن معالجة القمامة فـ”طلعت ريحتها‮”‬،‮ ‬وهاهي‮ “‬ريحة‮” ‬أوروبا النتة‮ “‬تطلع‮” ‬أيضا في‮ ‬نفس الوقت؟

6‭-  ‬هل نسيت أوروبا أن الشرق جارها الأبدي،‮ ‬وأنه ليس بإمكانها إغراقه في‮ ‬البحر المتوسط،‮ ‬وأن الذي‮ ‬يغرق فيه هو ادعاءاتها بالإنسانية وبالعلمانية؟

7‭-  ‬ماذا عن مستقبل حلفاء أوربا التقليديين في‮ ‬العالم العربي‮ ‬والإسلامي؟ ماذا عن الفرانكوفون وعموم المتأوْربين في‮ ‬الجزائر ودول المغرب العربي‮ ‬وحتى دول إفريقيا؟ ألم‮ “‬تطلع ريحتهم‮” ‬هم أيضا وهم‮ ‬يفشلون في‮ ‬كل شيء وخصوصا الحفاظ على مصالح فرنسا وأوروبا عموما؟

8‭- ‬هل‮ ‬يعتقد العقل الاجتماعي‮ ‬الأوروبي‮ ‬أن شقه السياسي‮ ‬يقف في‮ ‬المكان الصحيح من قضايا الشرق والوطن العربي‮ ‬بما فيها إسرائيل والمسألة القومية والمسألة الدينية وإيران؟‮ ‬

9‭-  ‬ماذا لو تمكنت ألمانيا من إعادة بناء نفسها عبر هؤلاء اللاجئين العرب كما بنتها من قبل على أكتاف الأتراك؟ وماذا لو نبت تحت الجلد الأوربي‮ ‬تحالف اجتماعي‮ ‬عربي‮ ‬ـ تركي؟

ومن باب النكتة والظرافة أذكّر القارئ أنه في‮ ‬التراث الغنائي‮ ‬العربي‮ ‬المصري‮ ‬القريب أغنية عنوانها‮ “‬ليالي‮ ‬الأنس في‮ ‬فيينا‮” ‬وأتمنى أن‮ ‬يعود القارئ إلى هذه الأغنية وتاريخها والتاريخ السياسي‮ ‬لمغنيتها ويسقِط الماضي‮ ‬على الحاضر‮. ‬وأما الثانية فهي‮ ‬أيضا في‮ ‬مجال الفن،‮ ‬فهناك في‮ ‬بلاد الشام وخاصة لبنان أغنية تؤدى في‮ ‬الدبكات الشعبية تقول‮: “‬باريس‮ ‬يا مربط خيلنا‮”.. ‬فهل‮  ‬ستتمكن ألمانيا،‮ ‬ذات‮ ‬يوم آت،‮ ‬من احتلال باريس بهؤلاء‮ “‬الدبيكة اللاجئين‮” ‬خاصة أن الفرنسي‮ ‬في‮ ‬قرارة أعماقه لا أعداء له سوى الألمان‮  ‬والإنجليز واليهود‮.. ‬وهم أعداؤه التاريخيون؟

مقالات ذات صلة