-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

من بطل إلى مدان: دروس عزل كريم خان 

من بطل إلى مدان: دروس عزل كريم خان 

عزل المدّعي العام للجنائية الدولية كريم خان يوم 24 جويلية الجاري لأنه وافق على صدور أمر بالقبض الدولي على كل من مجرمي الحرب الإسرائيليين نتن ياهو ووزيره للحرب يوآف غالانت، يدفعنا إلى مراجعة كل ما جرى الترويج له بشأن حرص المجتمع الدولي على معاقبة مجرمي الحرب وإرساء نظام دولي قائم على القانون والعدالة، كما يدفعنا إلى الانتباه إلى خطورة الارتباط بما يعرف بتكنولوجيا الاتصال والتسيير الغربية على كافة المستويات وفي كافة القطاعات.

وإذا كنا قد اعتدنا القول إنه لا وجود للقانون الدولي اليوم بعد الذي بات يحدث في العالم من تجاوزات من قبيل العدوان على إيران من دون الاستناد للشرعية الدولية وتهديد دول أخرى بالغزو من دون خوف من ردع أممي، فإننا لم نعتد تطبيق عقوبات على شخص دولي بالطريقة التي حدثت مع كريم خان المدّعي العام للجنائية الدولية وفريقه.

إذ بمجرد صدور أمر بالقبض الدولي على نتن ياهو ويوآف غالانت يوم 21 نوفمبر 2024 بعد رفض المحكمة بالإجماع الطعون الإسرائيلية، بدأ النشاط الأمريكي، الصهيوني الكثيف لعزله: فتح التحقيق، الإجازة المؤقتة، التجميد، فالعزل الذي حدث منذ أيام. والبداية كانت من خلال توقيف خدمات الحوسبة السحابية على المحكمة والتي كانت تقدّمها شركات أمريكية مثل  Microsoft وGoogle وAmazon مما يدل على تأييدها التام لحرب الإبادة التي كانت وما زالت تجري في غزة، وبالموازاة مع ذلك، فُرضت عقوبات مالية وعقوبات سفر على شخص المدّعي العام ومحيطه عبر نظام SWIFT الذي يخضع للرقابة الأمريكية مما حرمه وزملاءه من رواتبهم أو من تغطية نفقات السفر الميداني للشهود والمحققين للدفاع عن أنفسهم أو حضور حتى جلسة عزلهم في الولايات المتحدة! وفي مرحلة ثالثة، جرى تحريك الآلة الإعلامية الغربية الموالية لإسرائيل ضدهم ليتحولوا إلى غير أخلاقيين! وهكذا أصبحت لكريم خان ملفات “تحرّش” وأصبح من معه “منحازين للإرهاب”، بعد أن كانوا قبل سنوات أبطال القانون الدولي والعدالة الدولية عندما كان الأمر يتعلق بإدانة الرئيس الروسي بوتين الرافض للهيمنة الغربية!

لقد وصفت وسائل الإعلام الأمريكية والبريطانية والفرنسية وغيرها من الوسائل الغربية كريم خان عند إدانة الرئيس الروسي بالبطولة وفريقه بالشجاعة، والمحكمة بالمؤسسة الدولية الرائدة في مجال الدفاع عن القانون الدولي وحقوق الإنسان. وكذلك فعلت عندما تعلق الأمر بإدانة الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي أو الرئيس السوداني عمر البشير أو غيرهم من القادة الأفارقة الذين حكم عليهم بالسجن وتم تنفيذ ذلك، أو بالملاحقات القضائية والأوامر بالقبض الدولي وهي سارية المفعول… حينها كان المدّعي العام بطلا وأخلاقيا وقانونيا. أما عندما وصل الأمر إلى نتن ياهو ويوآف غالانت اللذين أبادا عشرات الآلاف من الفلسطينيين في غزة، فقد تبدّل الموقف منه وأصبح مدانا ومعزولا!

هذا الواقع يجعلنا نستخلص أكثر من درس: 

– أن الاعتماد على التكنولوجيا الأمريكية يحمل مخاطر جمّة، إذ بإمكان هذه التكنولوجيا أن تنقلب ضد مستخدمها رأسا على عقب ومن دون مقدّمات كما حدث مع المدّعي العام.

– أن الانخراط ضمن المؤسسات الدولية الغربية لا طائل من ورائه، بل فيه هدر للإمكانات وتعميق للوهم لدينا كشعوب نامية بأننا يمكن أن نجني منها شيئا أو حتى التأثير من خلالها، بدليل أن دولا كبرى مثل الصين لا تنتمي لمثل هذه المؤسسات.

– أن التعويل على المؤسسات الجهوية والإقليمية إن كان في الميدان المالي أو القانوني يعدّ الآن أولوية قصوى بالنسبة لنا كدول نامية لحماية أنفسنا، كذلك بات اليوم التفكير في بدائل محلية للشبكات التكنولوجية للتواصل والمعاملات المالية مسألة ينبغي أن تحظى بالأولوية القصوى إذا أردنا استباق مشكلات أمنية خطيرة قد تقع لنا في المستقبل.

إن عزل كريم خان بهذه الطريقة يحمل أكثر من رسالة ينبغي لنا الوقوف عندها وما أشرنا إليه هو فقط النزر القليل.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!