أيّ دور للنخبة في الاستحقاق الرئاسي؟
عشية كل موعد انتخابي يزداد الاهتمام السياسي من الأحزاب والمرشحين المتسابقين بالفئات الشعبية على اختلاف مستوياتها، باعتبارها تشكل الوعاء الانتخابي المتنافس عليه، فهي في نظر هؤلاء أصوات وأرقام وازنة داخل صناديق الاقتراع، ما يستوجب الاقتراب الجواري منها والاستماع إليها والسعي بكل الطرق لإقناعها بالتصويت لصالحها.
وإذا كان مثل هذا السلوك السياسي مفهوما عمليّا وفق قواعد العملية الانتخابية، حتى لو كان الأصل هو الاحتكاك الدائم بالمواطنين، عوض اقتصار الانفتاح على المواسم الانتخابية مرة كل خمس سنوات، غير أن الاستحقاق الرئاسي يفرض حتمًا، على الأقل بالنسبة للمترشحين المحترفين من الأوزان الثقيلة، مستوى آخر من الاتصال يتعلق بتحسّس آراء النخبة واستطلاع مواقفها والاستفادة من مقارباتها وأفكارها في كل المجالات ذات الصلة بالبرامج الانتخابية.
مفهوم النخبة في هذا السياق لا يتعلق بالصورة النمطية السلبية التي ترسخت عن فئة من مثقفي البرج العاجي الذين لا يعيشون هموم الحياة العامّة، بل يسبحون في خيالات الترف الفكري والفلسفي والثقافي، وجزء منهم مستلب حضاريًّا قد تولّى مهمة التغريب في مجتمعه.
إنما المقصود به أولئك الفاعلون من أصحاب الفكر والمتخصصون الفنيون أو الأكاديميون في قطاعات الأداء الحكومي الكبرى، من الاقتصاد بكل فروعه والفلاحة والتعليم بكل أطواره والرياضة إلى الدبلوماسية والدفاع والاستشراف وغيرها من المجالات الحيويّة، وهي شريحة واسعة، تعدادها بالآلاف على اختلاف مؤهِّلاتها، منتشرة عبر مختلف الجامعات والمراكز البحثية والمرافق العمومية والأعمال الحرّة والحركة الجمعوية الفاعلة، من أهل الخبرة التقنيّة والإداريّة الميدانية والنظرية العلمية، ما يجعلها متمكّنة من الإلمام بالسياسات العامّة والتشريعات المؤطرة لها والمشاكل الواقعيّة في مواجهتها، ولها القدرة -في ضوء ذلك- على طرح التصوّرات للإجابة عن الانشغالات المجتمعية وتقديم الاقتراحات للتغلب على كافة العقبات أمام الأهداف التنموية المنشودة.
في الغالب لا نجد بصمة هذه الفئة النخبوية في الاستحقاق الرئاسي، لأن العُرف السياسي جرى على هندسة المحيط الحزبي للأفكار الانتخابيّة، من دون فتح المجال للإفادة من الآراء المستقلّة والكفاءات الأخرى خارج الأطر التنظيميّة، وانغلاق هذه الأخيرة أيضا على نفسها، بفعل الروح السلبية أحيانا في التفاعل مع الشأن العامّ والأحكام المسبقة وترسّبات التجارب المرّة والممهلات المنصوبة مع سبق الإصرار والترصّد.
لذلك ينبغي على الشخصيات المترشحة لرئاسيات 2024، خاصة ذات الحظوظ الكبرى في الفوز، استدراك هذا الوضع غير الطبيعي في علاقة النخبة بسلطة القرار التنفيذي، من خلال توسيع المشورة والانفتاح على تلك الفئات النوعيّة في بلورة البرنامج الانتخابي، ولمَ لا السعي الجادّ لاستقطاب جزء منها للفعل السياسي الوطني، أو على الأقل الانخراط التطوعي في قضايا الشأن العامّ، انطلاقا من هذه المحطة الأساسية في مسار أي بلد.
إن تجسيد مثل هذه الرؤية يقتضي تنظيم جلسات نقاشات مفتوحة حول الملفات الكبرى للانتقال الاقتصادي والاجتماعي والعلمي ذات الأولوية في البرنامج الإصلاحي للمترشحين، أو استكمال المشاريع المنجزة حتى الآن لصالح المجموعة الوطنية.
كما يمكن تكريسه كذلك من خلال صفحات تفاعليّة افتراضيّة تتيح التواصل ومدّ جسور التفاعل بين رجال السياسة ومكوِّنات النخبة، زيادة على ضرورة ترتيب استقبالات مُباشرة لوفود ممثلة عن تلك الشرائح للإصغاء لها بكل جديّة واحترافيّة، بعيدا عن براغماتيّة الحساب الانتخابي الآني.
ولعلّ الأنجع هو استحداث فضاءات تخصّصية مفتوحة، من غير إلزام تنظيمي، تسمح بكسر الحواجز وتبادل الأفكار وتقريب وجهات النظر وبناء علاقات إنسانية بين جميع الأطراف تمهّد لبلورة عمل مشترك في خدمة الصالح العامّ.
ولن يتحقق هذا الأمر إلا بإرادة عليا واعية من فرسان الرئاسيات، وعقول بأفُق ناضج في نظرتها للمستقبل، أمّا إذا استحكمت الرؤى الضيقة والحساسيات الشخصية في محيط المترشح، فإنها ستتكفل بقطع الطريق أمام أي فرصة ممكنة للإفادة من المقدرات البشريّة المتاحة، لأنها تتعامل مع الوضع بخلفية تنافسيّة غير شريفة، وفق قاعدة “العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة”.
مقابل ذلك، يجب في حق تلك النخب المبادرة بالتحرّك في مثل هذه المناسبات، والتعبير عمليّا عن استعدادها للمساهمة الإيجابية في إبداء رأيها بخصوص الأفكار الرئاسية المعروضة انتخابيًّا، وحتى رفع مقترحاتها لإدارة الحملات الشعبيّة، خاصة ما يخص منها الآليات والخطاب الموجَّه لاستقطاب الفئات النخبويّة، لأنّ تبنّي شعار المظلومية والتهميش السياسي لا يخدم تموقعها ودورها المفترض، بصفتها شريحة فاعلة ومؤثرة في رسم السياسة العامّة للدولة، ضمن تكريس الديمقراطية التشاركيّة.
وسيكون للإعلام الوطني دورٌ تسهيلي مهمّ في ربط تلك النخب بالسياسيين والرأي العامّ عموما، من خلال فتح الفضاء الإعلامي أمامها، للتعبير عن نفسها وما يمكنها القيامُ به، لأن ذلك سيمنحها فرصة التحسيس بأهمية الاستحقاق الرئاسي في ظل الرهانات الوطنية والإقليمية المحيطة ببلادنا، وكذا التعبئة الانتخابية لإضفاء شرعية أكبر على العملية السياسية، زيادة على إبراز أفكارها الخاصّة.