إحداهن ألبست رضيعها كيسا وأخرى حاولت شرب “الأسيد”!
عندما نتكلم عن الحجر تتبادر إلى الأذهان صور مأساوية لعائلات أنهكها الفقر.. عائلات ذاقت الويلات ولم تجد ما تأكله غير فتات الصدقات، وها هي اليوم تعيش على أعصابها خوفا من فرضه من جديد، وكيف لا يكون حالها هكذا وهي تحتفظ بأسوأ الذكريات، التي تخفى عن أعين الكثيرين ممن لديهم دخل ثابت..
ألبست رضيعي كيسا بلاستيكيا بدل الحفّاظات!
لأن زوجها عامل يومي فقد وجدت نفسها في حال لا يعلمه إلا الله بعد فرض الحجر لمدة 8 أشهر.. اضطرت للتسول من أقاربها واستدانت كثيرا ورغم ذلك ركعتها الجائحة وذرفت بدل الدمع دما عندما اضطرتها الظروف الصعبة إلى إلباس رضيعها كيسا بلاستيكيا بدل الحفاظات وعن ذلك تقول نعيمة: “في حياتي لم أتخيل أن يصل بنا الحال إلى عدم القدرة التامة على توفير احتياجات الطفل الأساسية كالحليب والحفاظات.. عندما أتذكر أني ألبسته البلاستيك أبكي بحرقة وأدعو الله أن لا تعود تلك الأيام السوداء”.
كنت أعطي الماء لرضيعي بدل الحليب!
ونفس المعاناة عاشتها إيمان، التي تقول أنها كانت تسكت صراخ رضيعها حين يجوع بالماء لأنهم وجدوا أنفسهم في ضائقة مالية كبيرة وحرموا من كل الضروريات بعد فرض الحجر الكلي بولاية البليدة، حتى حليب الطفل لم يستطيعوا توفيره، أما عن جارتها فتقول أنها مزقت بعض الملابس القديمة واستعملتها كحفّاظات للطفل.
لهذا السبب كنت على وشك الانتحار
ولأن الحال ضاق بها كثيرا وتدهورت الأوضاع المادية إلى ما دون الصفر بدرجات، كانت نوال على وشك وضع حد لحياتها بشرب ماء النار “الأسيد” لولا أن تداركها زوجها في آخر لحظة وعن الحادثة تقول: “زادت المشاكل الزوجية بسبب عدم توفر مدخول.. لم نأكل لأيام متتالية غير لقيمات قليلة لا تسد جوعا.. فقدت أعصابي وأهنت زوجي بسبب طبيعة عمله اليومي وليس الثابت وتعالى الصراخ وقال بأنه سيطلقني فأقدمت على خطوة الانتحار في لحظة غضب.. الله وحده يعلم سوء ما عشناه.. أسأل الله أن لا تعود تلك المرحلة الحرجة”.
نحن ميتون سواء بالفيروس أو الجوع
وبالمختصر المفيد لخص لنا رابح واقع الحال بالقول إن العائلات التي ليس لديها مدخول ثابت مثله ميتة في كل الأحوال، سواء بالفيروس أو الجوع، لأن أيام الحجر مرت عليهم كالسنوات العجاف لدرجة أنهم لم يجدوا ما يأكلونه لأيام، ولا أحد من الجمعيات أو السلطات تحرك لمساعدتهم.
الأخصائية الاجتماعية هاجر دحماني: صعوبة التعايش مع الحجر يولد أزمات قاسية

تقول الأخصائية الاجتماعية هاجر دحماني لجواهر الشروق إن “العديد من المواطنين أبدوا مخاوفهم من إعادة فرض حجر منزلي وتشديد إجراءات الوقاية بعد ارتفاع موجة كورونا، لأن عزلهم في المنازل قد يعيد سيناريو الموجة الأولى التي فعلا سببت لهم ضررا على المستوى الاقتصادي والنفسي”.
وتضيف ذات الأخصائية أن “صعوبة التعايش مع الحجر مرة أخرى قد تولد أزمات نفسية واقتصادية قاسية على المواطن على غرار نوبات القلق، الغضب والاكتئاب”.
بخصوص الحل ترى الأستاذة دحماني أنه “لا يمكن الخروج من حالة الخوف هذه إلّا من خلال اهتمام السلطات المحلّية بالدّعم الاقتصادي، وذلك بتوفير منحة تسد حاجياتهم وتضمن لهم العيش الكريم في فترة الحجر المنزلي، إضافة للدعم المعنوي والنفسي وليس الاكتفاء بمعالجتها بعد الكوارث”.
المختصة النفسية عطاء الله أمينة: الضغط يولد الانفجار

تقول المختصة النفسية العيادية عطاء الله أمينة لجواهر الشروق إن “فترة القلق من الإصابة بالمرض تضخمت ليزيد إلى اللائحة قلق جديد، وهو قلق الأسر ذات الدخل المحدود أو المنعدم من الأزمات المالية إن تم فعليا العودة إلى الحجر الكلي”.
وتضيف المختصة إن “الفرد الجزائري حاليا أمام تحدي التكيف مع تغيير نمط العيش وإيجاد بدائل تجعله يسير مع هذا التغير الذي فرضته الجائحة.. هذا المد والجزر أثر على نفسيات الأسر من صغيرها لكبيرها، فالتكيف استراتيجية توجب التفطن للمتغيرات وإيجاد طرق جديدة للتعامل وهو شيء يختلف من شخص لآخر حسب ثقافته ودوره في المجتمع ووضعيته المادية والنفسية”.
وتؤكد عطاء الله إنه “بعد هاجس الموت من المرض أصبح البعض يواجه هاجسا آخر وهو البقاء للجوع أو عدم تلبية طلبات الأسرة، مما ينتج ضغط نفسي رهيب على الشخص يجعله يلجأ للتفريغ السلبي إما بالعنف أو الصراخ أو كسر النظام ورفض الحجر، لهذا علينا توعية الأسر ووضع اليد في اليد من خلال التكافل الاجتماعي لبعضنا البعض لنصل إلى بر الأمان ونشر التوعية وممارسة قيم التضامن”.