الرأي

إذا علمت المقاومة أنها ستسلّم سلاحها… لماذا خاضت الحرب؟‎!‎

بقلم: ياسين إعمران
  • 215
  • 0

إن أخطر ما يمكن أن يقع للمقاوم… للمجاهد… ليس أن يُنتزع سلاحه بل أن تُنتزع الكرامة من ‏قلوب شعبه وأمته… ويسكنها الوهن… حب الدنيا وكراهية الموت… حين يتحول العجز إلى ‏سياسة… والخذلان إلى حكمة… والهزيمة اتهاما لمن ظل يقاوم إلى آخر رمق‎!‎

إذا كانت المقاومة تعلم أنها ستسلم سلاحها، فلماذا خاضت الحرب منذ البداية؟‎!‎

هذا السؤال الذي يردده أصحاب الإفك… ضحايا تجريف الوعي… فمنذ عقود والمنظومات ‏التعليمية والإعلامية والسياسية لأنظمة الاستعمار بالوكالة تمارس تجريف الوعي للشعوب وتستثمر في ‏جهلها… طرحُ هذا السؤال لا ينمّ سوى عن جهل بتاريخ وطبيعة الصراع البشري… إن حركات ‏المقاومة لا تدخل المعارك وهي تحمل صكوك النصر… لقد جاهد الأمير عبد القادر الجزائري سبعة ‏عشر عاما ضد الفرنسيين أذاقهم فيها سوء العذاب… ثم تسبّب الخذلان في هزيمته واستسلامه… ‏وقامت الثورات الشعبية على امتداد قرن في الجزائر من دون أن تحقق الغاية الكبرى التي قامت لأجلها ‏وهي دحر المحتل الصليبي… ولكن كانت مسارا تراكميا سُنَنِيا انتهى إلى الثورة التحريرية المجيدة… ‏كان الجنرال جياب قائد المقاومة الفيتنامية يقول: “اجمع ألف انتصار صغير لتصنع نصرا كبيرا!”.

‏إن حركات المقاومة عبر التاريخ لم تدخل الحروب والمعارك لأنها ضمنت النصر بل لأنها كانت تدرك ‏أن الاستسلام قبل القتال هو عين الموت الذي ترومه قوى الطغيان، وأن الموت في طريق مقاومة ‏الظلم أشرف بكثير من حياة المذلة والمهانة تحت رحمة العدو… ولو كان ضمان النصر شرطا ‏للمقاومة لما قامت ثورة في تاريخ البشرية… ولو كان النصر معيارا وحيدا للبطولة لما بقي في التاريخ ‏بطلٌ واحد‎!‎

السؤال الحقيقي والأصح لا يكون عن سبب تسليم المقاومة سلاحها بل عمّن أوصلها ودفعها ‏واضطرها إلى هذا القرار المؤلم… من الذي كان يرقص في الحفلات بينما غزة تواجه أعنف وأشرس ‏حملة عسكرية عالمية؟!… من الذي اكتفى ببيانات الرفض والتنديد والشجب والخطب الرنانة ‏والمرافعات الفارغة؟!… من الذي صفّق لحكمة السيسي الذي ظلّ يُحكم غلق المعابر في وجوه ‏الفلسطينيين ليموتوا حصارا وقصفا وجوعا؟!… من الذي سارع لنجدة الكيان الصهيوني من الحصار ‏البحري بينما كان الفلسطينيون يموتون جوعا بين أحضان أمة ترقد على 70 بالمائة من نفط العالم؟‎!‎

لا يحق لأحد اليوم أن يدين المقاومة… لا يحق لأحد أن يحاسبها على قراراتها لأن الجميع ظل واقفا ‏بعيدا عن ساحة المعركة… لا يحق لنا التقييم ولا المراجعة فضلا عن المزايدة… لا لشيء سوى لأننا ‏فضّلنا أن نجلس على كراسي الجمهور المُشاهِد بدل أن نكون مع من يصنع التاريخ والحدث… ‏ظللنا نستمتع بفيديوهات المقاومة وهي تنكّل بآليات العدو وتعبث بها وتحوِّلها إلى أكوام من الحديد… ‏ظننا أن تلك المشاهد لن تنتهي وكذلك متعتنا بهذا “الأكشن” المثير… نسينا أو تناسينا أن تلك ‏المشاهد والملاحقات كانت تكلف آلاف الدولارات… نسينا أو تناسينا أن تلك القذائف كانت ‏تُطلق من قوت المجاهدين وشعبهم… نسينا أو تناسينا أنه بين التمرة والرصاصة لم يكن للمقاومة ‏رفاهية الاختيار… كل ما طلبه الراحل أبو إبراهيم من الإيرانيين كان 500 مليون دولار لتغيير وجه ‏الشرق الأوسط… فلم يستجيبوا له… هاهم جميعا اليوم يتكبدون مئات الملايير لإعادة الوضع ‏للحال التي كان عليها قبل 7 من أكتوبر‎!‎

إن المقاومة ليست بندقية… فالسلاح مجرد وسيلة‎… ‎والذي بدأ من الحجارة ووصل إلى صناعة ‏صواريخ عياش لا يُعجزه أن يصنع سلاحه مرة أخرى… والمقاومة ليست شخصا… فكم من شهيد ‏سقت دماؤه شجرة المقاومة فأثمرت آلاف المجاهدين والأبطال… تسليم السلاح ليس نهاية القضية ‏… ومن يقرأ التاريخ لن يصيبه اليأس… المقاومة فكرة… والأفكار والقناعات لا تُسلّم في ‏المعاهدات والاتفاقيات… ولا تصادَر في المعابر والحدود… ولا تدفَن تحت الركام والأنقاض‎!‎

لقد ظل الاحتلال يحارب صناعة الإنسان المقاوم أكثر مما حارب السلاح… تدخّل الأمريكان ‏ومعهم الأوروبيون لتغيير مناهج التعليم لتدجين الأجيال القادمة وتخنيثها… انتزعوا حتى الآيات ‏والأحاديث التي تتحدث عن الجهاد… أرادونا أمة منزوعة الكرامة تنافسهم في الحرص على حياة… أيّ حياة… ولو كانت كلها ذلا وهوانا… ظل الغرب الصهيوني يحارب المدرسة كما يحارب ‏الخندق… وظل يحارب الذاكرة كما يحارب المقاوم… وظل يشوه التاريخ كما يشوه الوجوه ‏والأجساد… لأن الغرب الصهيوني يعلم أنه إذا بقيت الفكرة عاد السلاح، ولكن إذا غابت الفكرة ‏فلن يصنع السلاحُ أمة‎!‎

والآن أراك تفكر في السؤال الصحيح: هل هُزمت المقاومة أم هُزمت الأمة التي خذلتها؟!… ولعل ‏السؤال الأخطر من هذا هو: كيف سيروي التاريخ هذه المعركة؟… إن التاريخ لن ‏يتحدث فقط عن أولئك الأبطال الأشاوس الذين ظلوا مقاومين حتى بالعصيّ، التاريخ سيتحدث ‏أيضا عن أمة آثرت الحياة الدنيا على الآخرة، وسيتحدث عن ذلك السائق الذي لم يكن يملك ‏سوى شاحنته ليقتل بها صهاينة مشاركا أمته همَّها، وسيتحدث عن ماهر الجازي الذي أطلق النار ‏على صهاينة في معبر الكرامة‎‎، وسيتحدث عن حفلات الساحل الشمالي وشرم الشيخ بينما ‏الفلسطينيون الذين يبعدون بضعة عشرات الكيلومترات كانوا يموتون جوعا على عتبات الحدود ‏المدنّسة… سيتحدث أن ترندا عربيا كان حول شوكولاطة دُبي بينما كان الفلسطيني يربط الحجارة ‏على بطنه، وسيتحدث عن حكّام عرب كانوا صهاينة أكثر من الصهاينة أنفسهم… سيتحدث ‏عن إعلام “عربي” صهيوني امتهن تشويه المقاومة ورجالها في عزِّ حربهم ضد تحالف صهيوني عالمي… ‏ومن سيقرأ هذا السياق لن يتوقف مطولا عند: لماذا سلّمت المقاومة سلاحها؟‎ …‎

المشهد قاسٍ لا محالة… ومرارة الألم طافحة… ولكن هذا لا يجعلنا نطمس الحقيقة… لن نسمح ‏بظلم أبطال المقاومة… غزة المحاصَرة والتي من الجنون أن نقارن قدراتها وإمكاناتها بقُدرات ‏ الكيان الصهيوني وإمكاناته، مع ذلك احتاج الكيان لأحدث الأسلحة الأمريكية ليمده بها البيت ‏الأبيض، واحتاج للدعم العسكري واللوجيستي الأوروبي، واحتاج للمرتزقة عبر العالم ليواجه غزة ‏المحاصَرة المنكوبة، هذا لتعلموا مدى ضعف هذا الكيان ومدى هواننا لأننا لا نحرِّك ساكنا تجاه نمر ‏من ورق… لقد وقف أهل غزة أمام أعتى وأبطش آلة حرب في العالم… وقفوا مثقلين بالخيانة ‏والخذلان والجوع والحصار… وقفوا بأبسط الوسائل وحققوا انتصارات ومرّغوا سمعة الميركافا وأخواتها ‏من آليات الجيش الصهيوني… وحولوها إلى هياكل محترقة يعبث بها الصبية والولدان… قاتلوا بأمعاء ‏خاوية… قاتلوا ولم يطلبوا مالا أو سلاحا أو تدخُّلَ جيوش… كل ما قالوه: اكفونا في أهالينا واتركوا ‏لنا العدو… لم يطلبوا مجدا ولا ثناءً ولا سلطة… كل ما أرادوه هو الدفاع عن مقدسات المسلمين ‏ورفع الضيم عن شعبهم وتحرير أرضهم… فأقلُّ الوفاء أن نخلّد ذكراهم، وأن لا نجعل دماءهم ‏موضوعا للسجال السياسي والنقاش المترف المنعَّم تحت المكيفات بينما شعبنا لا يزال يعاني في ‏الخيام، لقد كتبوا بدمائهم فصلا من فصول الفخر ومجد التاريخ، واستبسلوا إلى آخر رمق، وأثبتوا ‏أنهم أحبُّوا كرامة دينهم وشعبهم أكثر من حبهم للحياة‎!‎

حركات ‏المقاومة لا تدخل المعارك وهي تحمل صكوك النصر… لقد جاهد الأمير عبد القادر الجزائري سبعة ‏عشر عاما ضد الفرنسيين أذاقهم فيها سوء العذاب… ثم تسبّب الخذلان في هزيمته واستسلامه… ‏وقامت الثورات الشعبية على امتداد قرن في الجزائر من دون أن تحقق الغاية الكبرى التي قامت لأجلها ‏وهي دحر المحتل الصليبي… ولكن كانت مسارا تراكميا سُنَنِيا انتهى إلى الثورة التحريرية المجيدة… ‏كان الجنرال جياب قائد المقاومة الفيتنامية يقول: “اجمع ألف انتصار صغير لتصنع نصرا كبيرا!”.

مقالات ذات صلة