إرهابٌ تحت الطلب
مرة أخرى تتعرض فرنسا لعملية “إرهابية” يتيمة بلا هوية، جاءت في توقيت جيّد رخّص للحكومة الفرنسية الحق في تمديد حالة الطوارئ قبل أسبوعين من موعدها في الـ26 من هذا الشهر، حتى وإن كانت الحصيلة من الضحايا ثقيلة دامية قريبة من حصيلة حادث ملهى باتكلان: 84 قتيلا و20 جريحا.
الحادث الذي لم يُنسب حتى الآن إلى أي تنظيم إرهابي يكون قد نفذه مواطنٌ فرنسي من أصول تونسية، كان معلوما لدى مصالح الأمن، من ذوي السوابق العدلية، قام بدهس جمهور كان يتابع الألعاب النارية التي توّجت احتفال الفرنسيين بعيدهم الوطني المخلِّد لسقوط سجن الباستي الشهير، المؤرِّخ لاندلاع الثورة الفرنسية الدموية.
وبرغم مرور يوم على الحادث الدموي، وغياب أي تبن، فإن وجهاء الحكومة الفرنسية عمدوا بسرعة إلى وصف الحادث بالإرهابي، وتحركت الآلة الدعائية المعادية للإسلام والمسلمين لتوجيه أصابع الاتهام لما يسمى بالتطرف الإسلامي، فيما شُغل الإعلام الفرنسي بكمٍّ من المعلومات سُرِّبت لتوجيه الرأي العام نحو التسليم بفرضية “العملية الإرهابية”.
الحادث تميّز عن الحوادث السابقة على الأقل من جهة وسيلة التنفيذ: دهسٌ أعمى لجمهور بشاحنة، حتى وإن كانت الشرطة قد ادَّعت العثور على أسلحة بداخل الشاحنة غير قابلة للاستعمال في محاولةٍ مفضوحة لاستبعاد الفعل المنفرد لرجلٍ مصاب بالجنون، أو كان تحت تأثير المهلوسات، فيما سارع جانبٌ من الإعلام الفرنسي إلى التوقف عند أداة الجريمة نفسها، ليربطها بعمليات الدهس في فلسطين المحتلة.
غير أن ردود الأفعال الأوَّلية تشير إلى فشل السلطات الفرنسية حتى الآن في تمرير أسطورة الإرهاب، وبدأت المعارضة توجِّه التهم للحكومة بالتقصير والفشل، في بلدٍ خاضع لحالة الطوارئ منذ أكثر من ستة أشهر، نفذت خلالها مصالح الأمن أكثر من 3500 عملية دهم ليلي، واعتقلت أكثر من 400 مشتبه، فيما نجحت في تأمين دورة فرنسا للدرّاجات وخاصة منافسات الأورو 2016 التي شهدت على امتداد شهر كامل تجمُّعات كبيرة لعشاق كرة القدم.
وإذا كان لكل جريمة دافعٌ ومنتفِع، فإن دوافع المنفِّذ قد أقبرت مع المنفذ الذي قتلته الشرطة كما فعلت مع مراح والأخوين الماليان كوبالي، فيما لا يختلف اثنان على أن الحكومة الفرنسية قد استفادت فورا من الحادث بتمرير قرار تمديد حالة الطوارئ لثلاثة أشهر قادمة، ما يسمح بتطويق موجة الاحتجاجات الاجتماعية، كما سيمنحها الاستثمار في دماء الضحايا لتجنيد الرأي العام لمحاربة “إرهاب” يتحرَّك ويُحرَّك تحت الطلب، ويشغل المواطنين عن مساءلة الطبقة السياسية عن الفشل في معالجة الأزمات الاقتصادية والمالية والاجتماعية المتفاقمة.
غياب التبني الإرهابي للحادث يمنع حتى الآن من التسويق الجادّ والمقنع لها كعملية إرهابية ولو تحت رايةٍ كاذبة، حتى وإن كانت العمليات السابقة قد نُسبت إلى مواطنين فرنسيين من أبناء الجالية المسلمة، لهم في الغالب سوابق عدلية، وكانوا تحت الرقابة ساعة التنفيذ، مما يطرح أكثر من سؤال إما حيال جدِّية وكفاءة مصالح الأمن وجدوى حالة الطوارئ، أو حيال الجهة التي توظف هذه الفئة من المنحرفين في عملياتٍ إرهابية بالبطاقة لخدمة سياسات لم تعد تملك سوى سلاح تخويف الشعوب بالإرهاب لتمرير ترسانة من القوانين القمعية السالبة للحقوق.