إسقاط الأجنة المشوّهة.. قرارٌ صعب يؤرق العائلات
يرفض بعض الأزواج إنجاب أطفال مصابين بتشوُّهات خلْقية أو عاهات ولادية أو حتى أجنة منغوليين، بمجرد أن يثبت الفحص الطبي ونتائج الكشف عن حالة الجنين “إيكوڤرافي” أن المولود لن يكون سليما، فتكون ردة الفعل عنيفة باتخاذ قرار الإجهاض ويعتبرونه الحل الأنسب.
تجتاح الأفكار السيئة الأزواج، بمجرد التفكير في أن المولود المنتظر سيخرج إلى الدنيا بإعاقة، لتختلف ردة الفعل من عائلة إلى أخرى، فهناك من تسلِّم أمرها لمشيئة الله وقضائه وقدره، وفئة أخرى ترفض التكفل بجنين معاق أو منغولي، معتبرة أن خروجه إلى النور غير سليم سيكون أتعس يوم خاصة في حياة بعض الأمهات ناقصات الإيمان، اللواتي يفكرن في إجهاض أجنتهن..
لذا ارتأت “الشروق” أن تتطرق إلى هذه الظاهرة التي شاعت في الآونة الأخيرة، غير أن الواقع وروايات الأمهات توحي أن منهن من ندمت على اتخاذها قرار الإجهاض بتشخيص خاطئ للأطباء وبين من شكرت الله على نعمته وتقبلت القضاء والقدر محتفظة بجنينها فكافأها المولى عز وجل بجنين معافى سليما، بالرغم من التقارير الطبية الخاطئة.
تمسكتُ بإنجاب طفل “منغولي”
ونحن نقل حافلة لنقل المسافرين، جلست بقربنا سيدة في العقد الخامس من عمرها، بجانبها ابنها ويُدعى”أسامة”، ملامح وجهه وتصرفاته توحي من الوهلة الأولى أنه من فئة “المنغوليين”، كانت تصطحبه إلى إحدى الجمعيات المساهمة في عملية التكفل بهذه الفئة. كشفنا عن هويتنا ونحن نقوم بدردشة مقتضبة معها، سألتها إن كانت تعلم أن ابنها أسامة الذي هو حاليا في سن 14 سيولد “منغوليا” فاغرورقت عيناها بالدموع وقالت: “نعم. علمت من الطبيبة التي أشرفت على حالتي أن الجنين الذي ببطني سيولد معاقا، حسب التشخيص. وواجهت عدة صعوبات وعراقيل عائلية، لكن الحمد لله إيماني بالله كان أقوى. لم أتمكن من إجهاض روح في بطني حتى وإن علمت أنه سيولد مشوَّها. ولم أندم أبدا على قراري الذي أعتبره أحسن شيء فعلته في حياتي”. وتضيف والدة أسامة أن زوجها عارضها بشدة وحاول دفعها إلى الإجهاض “بالرغم من أنه هددني بالطلاق، إلا أني تمسّكت بإنجابه بعد أن مكثت ببيت أهلي طيلة مدة حملي. والآن زوجي يحب أسامة أكثر مني ويعبِّر في كل مرة عن ندمه للقرار الذي يعتبره تهورا منه.
كدتُ أخسر ابنتي
من جهتها، تروي السيدة “جميلة” التي صادفناها بمصلحة التوليد بمستشفى مصطفى باشا الجامعي في العاصمة، أنها كادت تفقد فلذة كبدها “نورهان” بسبب تشخيص خاطئ من أحد الأطباء الذي أكد لها مرتين أن الطفلة ستكون ناقصة من حيث الخلقة، حيث عرض على زوجها التخلص من الجنين الذي سيولد بدون أصابع اليد، تضيف “لكن الجهل في بعض الأحيان يثبت أن الله يصنع المعجزات، لأن ابنتي التي كدت أن أخسرها بعد انتظار 10 سنوات عقم، والتي تمسكت بإنجابها مهما كانت حالتها، وُلدت في أحسن صورة وبصحة جيدة ولا تعاني من أي تشوه عكس ما أعلمني الأطباء”، مؤكدة أن بعض الأطباء يخطئون في تشخيص حالة الجنين، ويدخلون بأخطائهم الطبية العائلات في حيرة وخوف من المجهول مما يدفعهم إلى التخلص من أطفالهم قبل أن يروا النور.
أما السيدة “نوارة” فأبدت ندمها الشديد على قرار مصيري، جعلها تأكل أصابعها ندما بعد إجرائها لعملية إجهاض في الشهر الخامس، بعدما أطلعها الأطباء على أن الجنين ليس في صحة جيدة، كونه سيخرج إلى النور بدماغ غير مكتمل، مما يعني أنه سيكون حتما معاقا. فطلب منها الأطباء إجهاضه بعد صدور نتائج الصور الإشعاعية مرتين، فأجهضت ابنها لكن اتضح أن طفلها الذي قتلته بدون ذنب، خرج إلى النور سليما ومعافى، وأن الخطأ كان طبيا بسبب نقص الخبرة وانعدام روح المسؤولية، حيث تيقنت أنها تدخلت في شؤون الخالق الذي زرع فيها روحا رفضت الحفاظ عليها.
اختلافات بين الفقهاء
وحول حكم الشرع في إسقاط الأجنة المشوّهة، أفتى الدكتور الشيخ كمال بوزيدي، بـ”جواز الإجهاض في حال ارتبط بعذر شرعي، حيث يمكن إسقاط الجنين المشوَّه قبل نفخ الروح فيه، أي قبل 40 يوما، إذا كان يشكل خطرا على حياة الأم أو تسبب في هلاك أمه كالتسبب في شللها أو إصابتها بالضغط الدموي أو صعوبة في التنفس إلى غير ذلك”، مؤكدا أن “حكم الإجهاض الأصل فيه المنع وعدم المساس بالجنين في رحم أمه”.
وحرّم بوزيدي، في اتصال بـ”الشروق”، إسقاط الأجنة بعد بلوغ 4 أشهر ونفخ الروح فيها، مستثنيا جواز الإجهاض في حال “أدى الجنين إلى هلاك أمه”. وأضاف المتحدث أن معظم التحاليل الصادرة عن الأطباء تُظهر نتائج تبيِّن أن الأجنة المشوَّهين والمعاقين نسبتهم ضئيلة، وأن التشوه الحقيقي يمكن معرفته حين يبلغ الجنين سن 7 أشهر. ودعا الدكتور بوزيدي الأولياء إلى ضرورة التكفل بالأجنة مهما كانت وضعيتهم الصحية، لما في ذلك من ثواب وأجر عظيم عند الله، قال تعالى: (يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ). وهو الذي يصوره كيف يشاء، قال الله تعالى: (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). وهو الذي يقدر زمن بقائه فيه وخروجه منه، قال تعالى: (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ).
وقد اختلف أهل العلم في العالم الإسلامي، في إباحة الإجهاض بسبب تشوُّه الجنين؛ فذهب البعض إلى حرمة الإجهاض مطلقا منذ استقرار النطفة. وقال آخرون بحرمة الإجهاض بعد أربعين يوما من عمر الجنين. ورجَّح الشيخ عبد المنعم الرفاعي “جواز إسقاط الجنين المشوَّه قبل نفخ الروح فيه، أي: قبل مرور مئة وعشرين يوما من بداية الحمل، أو إذا كان بقاؤه يهدد حياة الأم. ولا يجوز إسقاط الجنين لمجرد أنه مشوه أو معاق فذلك إزهاقٌ لنفس لم يأذن الله بإزهاقها؛ إلا إذا تحقق وجود ضرر على الأم ولو بغلبة الظن”.
ويضيف الشيخ الرفاعي: “إذا ثبت تشوّه الجنين بصورة دقيقة قاطعة لا تقبل الشك، من خلال لجنة طبية موثوقة، وكان هذا التشوه غير قابل للعلاج ضمن الإمكانات البشرية المتاحة لأهل الاختصاص؛ فيجوز إسقاطه؛ نظرا لما قد يلحقه من مشاقَّ وصعوبات في حياته، وما يسببه لذويه من حرج، وللمجتمع من أعباء ومسؤوليات وتكاليف في رعايته والاعتناء به”.