“إصلاحات حمروش هي البرنامج الوحيد للربيع العربي”
انتقد الخبير الاقتصادي عبد المجيد بوزيدي، طريقة إدارة الاقتصاد الجزائري خلال العشرة الأخيرة، وقال إنه لا يمكن تسيير دولة مثل الجزائر بالقرارات الفردية وبدون نقاش وطني حول القضايا الكبرى ومن دون معلومات كاملة قابلة للنقد من جهات محايدة.
وأوضح بوزيدي في حوار مع “الشروق” أن النظام يرفض انضمام البلاد إلى منظمة التجارة العالمية لأنه غير قادر على احترام القواعد المتعلقة بالمنافسة والشفافية والانفتاح التي ستفقده مزايا السيطرة على الريع.
بداية ماهو تقييم البروفيسور بوزيدي عبد المجيد لحصيلة الاقتصاد الجزائري بعد 50 سنة من الاستقلال؟
سؤال كبير، هل تعتقد أننا نستطيع تقديم حصيلة نصف قرن لاقتصاد يكتنفه الكثير من الغموض مثل الاقتصاد الجزائري، في بعض الجمل؟ ما يمكن أن أقوله ببساطة، هو التذكير بأن الجزائر لم يكن لها اقتصاد سنة 1962 . لم تكن لها صناعة، الزراعة كانت موجهة للتصدير نحو الدولة المستعمرة (زراعة الكروم، الحمضيات، الحبوب) بالإضافة إلى قطاع خدمات مرتبط تماما بالتجارة الخارجية…خلال 50 سنة، تم تحقيق العديد من الإنجازات. ومن نافلة القول أن سنوات الـ70 كانت سنوات الحلم الكبير بجعل الجزائر اقتصادا صناعيا بمعنى الكلمة.
من ينكر أن المخطط الرباعي الأول 1970 ـ 1973 والثاني 1974 ـ 1977 هما مخططان لبناء قاعدة لاقتصاد قوي، على الرغم من أنه كان بالإمكان فعل أفضل مما كان.
كان يجب علينا الانطلاق من الصفر، والكثير من المراقبين كانوا يعتقدون إننا “سنحطم أوجهنا”، لقد تم خلق فروع صناعية كاملة: الصناعات الميكانيكية، الحديد والصلب، الكهرباء والإلكترونيك … إنه من الواجب أن نذكر شركات “سوناكوم”، “سونيليك”، “أس. أن. أس”، “أس. أن . ميتال”… التي كانت تتوفر على محافظ هامة من المشاريع ومراكز تكوين حقيقية للعمال المؤهلين.
من المؤكد أننا قد نتهم هذه الشركات بالعجز المالي، ولكنه يجب الاعتراف بأنها جاءت لبناء قاعدة صناعية من العدم، من اللاشيء، وليس لتحقيق أرباح. علينا أن نتصور للحظة استمرار ديناميكية البناء الصناعي إلى غاية
1990 .
في القطاع الزراعي يجب الاعتراف أن الثورة الزراعية، كانت مشروعا سياسيا أكثر من أنها مشروع تقني زراعي، وهو سبب فشلنا في تحقيق ثورتنا الخضراء. لقد كانت الزارعة الجزائرية تحتاج الى برنامج مكننة وتنظيم، وهو ما لم يحدث.. إننا ندفع الثمن إلى اليوم.
لقد كانت سنوات التسعينيات بمثابة الكارثة الحقيقية على الاقتصاد الجزائري: مديونية خارجية مرهقة للاقتصاد (خلفتها مرحلة الشاذلي)، إرهاب وتحطيم شامل، عزلة دولية، تركة ثقيلة جدا للإصلاحات الاقتصادية التي قام بها الوزير الأول عبد الحميد الإبراهيمي خلال مرحلة الثمانينيات، وهي الإصلاحات التي دمرت كل الإنجازات وفشلت في تعويض ما هو موجود بأفضل منه، فحصدت فشلا ذريعا!!
كل هذه المعطيات انتهت بالجزائر إلى برنامج تعديل هيكلي تحت إشراف صندوق النقد الدولي، وبرنامج تقشف، وتوقف تام للاستثمارات المنتجة، وتراجع غير مسبوق للإنتاج في تاريخ البلاد..
إن العشرية 2000 ـ 2010 استفادت بدون شك من نتائج إعادة الجدولة وبرنامج التعديل الهيكلي الذي رافقها.
سنة 2000، كانت الجزائر قد انتهت من تطهير وضعيتها المالية الخارجية، وهو ما تزامن مع تحسن جيد في أسعار البترول. ما سمح بوضع برامج إعادة تجهيز البلاد والقيام بعمليات استدراك على المستوى الاجتماعي وخاصة على مستوى الأجور. لكن للأسف، الجزائر دائما بدون مشروع اقتصادي. الاستثمار المنتج دائما ضعيف جدا، تنظيم الاقتصاد لايزال بيروقراطيا وغير فعال، البطالة تسير بطريقة اجتماعية ومناصب الشغل دائما مؤقتة وهشة.
لماذا فشلت الجزائر في تنويع اقتصادها والخروج من التبعية المطلقة للبترول بعد نصف قرن من الاستقلال؟
هذه الوضعية التي يوجد عليها الاقتصاد الجزائري الغارق في “الكل بترول” لا تعتبر ميزة جزائرية فقط ـ الكثير من الاقتصاديين قاموا بتحليل هذه الظاهرة التي سموها “بالمرض الهولندي” ـ البلدان الريعية (التي تتوفر على ريع بترولي، غازي، أو ريع آخر) غرقت في الاستيراد على حساب الإنتاج من خلال ميكانيزمات اقتصادية معروفة جيدا: ارتفاع العوائد الريعية غذى ارتفاع الطلب الذي يتم الاستجابة له بسهولة باللجوء السهل إلى الاستيراد، بفضل وفرة الموارد المالية.
في الاقتصاديات الريعية، عدو المنتج هو المستورد. الاقتصاديات العربية والإفريقية التي تتوفر على احتياطات ضخمة من المواد الأولية التي يكثر عليها الطلب من الأسواق العالمية… كل هذه الاقتصاديات تعيش حالة الاقتصاد الجزائري، قليل من الحماس للاستثمار واللجوء السهل للاستيراد، لكن في سنوات السبعينيات وحتى خلال الوفرة النفطية، قامت حكومة بومدين باعتماد احتكار الدولة للتجارة الخارجية، من أجل فرض الرقابة التامة على الواردات وتوجيه الفائض من مداخيل الصادرات النفطية نحو الاستثمارات المنتجة. جزائر السبعينيات “زرعت بترولها” وتجنبت بذلك “المرض الهولندي”، لكن كل هذا انتهى اليوم. لقد أصيبت البلاد بـ”المرض الهولندي”، وتعقدت الوضعية جدا بسبب غياب الدولة وعجز السياسات عن وضع مشروع اقتصادي ومناقشته مع المجتمع السياسي والمجتمع المدني وإعادة وضع الاقتصاد الجزائري في قلب المعركة وفي سياق مسيرة التاريخ.
لا يمكن تسيير دولة مثل الجزائر بالقرارات الفردية وبدون استشارة، وبدون نقاش، وحتى من دون معلومات كاملة قابلة للنقد. جزائر اليوم تعاني أولا وقبل كل شيء من غياب الديمقراطية.
لنا أن نتصور ولو لحظة واحدة إعادة حشد الطاقات البشرية العظيمة التي تتوفر عليها البلاد، الشباب الجزائري المتعلم والحاصل على تكوين جيد أصبح يصنع اليوم مجد دول أجنبية التي عرفت كيف تستقبله!
كنتم مستشارا لرئيس الجمهورية السابق اليامين زروال في مرحلة حساسة من تاريخ البلاد، لماذا توقفت الإصلاحات التي شرع في تطبيقها فريق رئيس الحكومة الأسبق مولود حمروش؟
الإصلاحات الاقتصادية التي شرع فيها مولود حمروش بداية من 1988 و1989، كانت في الحقيقة عبارة عن مشروع سياسي شامل، يجب أن نتذكر أنها شملت تعديل الدستور، وإصلاح آليات الحكم، إصلاح قانون الإعلام، وإقرار اقتصاد السوق.
مشروع حمروش كان في الحقيقة يهدف إلى إخراج الجزائر من ثلاثة احتكارات كبتت كل الديناميكيات وكل الآمال في التطور:
1) الاحتكار السياسي: جبهة التحرير الوطني فقط ومناضلوها هم من يحق لهم الوصول إلى مناصب المسؤولية السياسية (المادة 120 الشهيرة).
2) الاحتكار الإيديولوجي: كل من لا يتقاسم مبادئ جبهة التحرير الوطني، يعتبر عدوا للوطن وتنزع عنه صفة الوطنية(ليس وطنيا).
3) الاحتكار الاقتصادي: الدولة هي الوحيدة التي لها صلاحية تنمية الاقتصاد، المستثمر الخاص بالكاد يسمح له، وفي كل الحالات لا يستطيع المقاول الخاص أن يكون محركا للتنمية.
لقد ذهب برنامج حمروش بعيدا، ويمكن اعتباره وإلى اليوم، البرنامج الوحيد والأول لـ“الربيع العربي” بطريقة سلمية، بالتعبير الشائع اليوم.
ولكن المقاومة التي جوبه بها البرنامج من قبل “النمونكلاتورا” المتنفدة، كانت اقوي، واعتبرت إصلاحات حمروش من قبل الجماعة المسيطرة على تسيير الريع، بأنها إصلاحات راديكالية خطيرة على مصالحهم.
الدرس المستخلص من هذه التجربة المهمة والقصيرة؟ الإصلاحات التي تأتي من الأعلى والتي لا تحشد حولها المجتمع عن طريق البيداغوجيا والمعلومة والحوار، تتوفر على فرص نجاح محدودة جدا.
كيف تنظرون، للسياسة الاقتصادية المنتهجة منذ العام 2000؟
إذا كنا نعني بالسياسة الاقتصادية مجموعة من الخيارات المتناغمة والتي تندرج في سياق تحقيق مشروع واضح محدد من الدولة، فإنه لا يوجد لدى الجزائر سياسة اقتصادية منذ العام 2000 .
الوزير الأول شخصيا أكد مرارا أنه لا يحب كلمة إستراتيجية. لأنه لا توجد إستراتيجية أصلا، بل هناك إجراءات براغماتية تستجيب لمشاكل ظرفية.
عند الاقتصاديين هذه العمليات تسمى “التجريبية” بمعنى تجريب الأمور والتردد والتخبط يمنة ويسارا، إنه ليس أكثر من تضييع للوقت والمال!! كل هذا لا يراه رجل الشارع العادي لأن المال موجود وهو يغطي على كل العيوب.
رجل الشارع هذا في الجزائر العميقة يعتقد أن هناك أشياء تنجز، ولكنه لا يعرف بأي ثمن تنجز وماهي قيمة الموارد التي تهدر! وبما أنه لا توجد أية هيئة لمراقبة عمليات الحكومة، فكل يرى أن أفكاره هي الأصلح في ظل غياب تام لنظرة شاملة متناغمة وواضحة.
ما تقييمكم لنتائج اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي؟
عن أي اتفاق شراكة مع الاتحاد الأوروبي تتحدث؟ إنه ومن كثرة عمليات التعديل وإعادة التفاوض وإعادة النظر في بنود الاتفاق، أصبحنا لا نعرف ماهي البنود التي نلتزم بها من غيرها، وما يجب أن يعمله الاتحاد الأوروبي مع الجزائر.
نحن ليس لنا ما نبيعه لشركائنا سوى البترول والغاز، ولهذا فنحن لا نحتاج لاتفاق شراكة مع الاتحاد الأوروبي الذي هو أكثر حاجة إلى محروقاتنا.
كان يمكن أن يكون اتفاق الشراكة فرصة للجزائر لإصلاح اقتصادها وتأهيل مؤسساتها، ولكنه وعوضا عن ذلك وجدنا أن الحكومة الجزائرية تسير بخطى البطة العرجاء، وتتفرج على انفجار فاتورة الواردات، ولا تبدل أي جهد لتطوير الصادرات.. إن اللوحة غير ناصعة.
لماذا فشلت الجزائر في الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية؟
لا يمكن القول إن الجزائر فشلت. السؤال هو معرفة هل ترغب الجزائر فعلا في الانضمام إلى المنظمة، وهل قررت ذلك فعلا؟ كما تعلمون فإن الانضمام إلى المنظمة يتطلب إعادة نظر شاملة في الاقتصاد الوطني، وتخليا تاما على التسيير المركزي والتسلطي للمبادلات التجارية، واحتراما تاما لقواعد المنافسة، وتحريرا مرحليا وبشكل تام للاقتصاد. هل تتصور اليوم أن الجزائر قادرة على الالتزام بكل هذه المعايير، واحترام قواعد اللعبة المتعلقة بالمنافسة والشفافية والانفتاح؟ من يُسير إذن وضعيات الريع التي تذر الكثير من الأرباح؟ لقد رأينا كيف تحاول الحكومة باستمرار إنقاذ شركات عمومية غير ناجعة وحماية السوق الداخلية ووضع إجراءات “الأفضلية الوطنية”… منظمة التجارة العالمية هي نقيض كل هذا!
من المسؤول في نظركم عن تحويل الاقتصاد الجزائري إلى مجرد اقتصاد بازار تسيطر عليه “مافيا” الحاويات؟
هذا سؤال عنيف جدا، الاقتصاد الجزائري اليوم، ليس اقتصاد بازار، بل هو اقتصاد تعرض لهزات عنيفة بفعل الأزمة الأمنية التي عاشتها البلاد في تسعينيات القرن الماضي، وبفعل برنامج التعديل الهيكلي بين 1993 و1994 وبفعل الأزمة المالية العالمية التي استمرت إلى غاية 2000 ـ 2001، كل هذه النقاط لا يمكن تجاهلها.
حقيقة إنه من الواجب أن نحدد يوما ما مسؤولية كل طرف من الأطراف في تفجير هذه الأزمة السياسية والاقتصادية والمالية والأمنية الرهيبة. ولكن اليوم يمكن أن نقول، إن الجزائر عادت من بعيد وإننا تجنبنا الانهيار التام للدولة.
اليوم هناك برامج كبرى لإعادة الإعمار، وموارد مالية ضخمة للتحويلات الاجتماعية، ولكن للأسف الشديد لا يوجد دائما برنامج اقتصادي متناغم، ولا توجد خطوات لتشجيع المبادرة.
الحكومة تحاول شغل نفسها باللجوء السهل إلى الاستيراد وتمنع المستثمرين الخواص من الذهاب إلى معركة الاستثمار والإنتاج بسبب عجزها على الضبط. هل هو العجز؟ هل هي الخربشة السياسية؟ على كل حال، حذار من الوصول إلى حدود التعقل ومن نفاذ صبر الشعب الجزائري!
يعيش العالم أزمة اقتصادية هيكلية منذ العام 2008، غير أن الحكومة الجزائرية تغلق آذانها، كيف تتوقعون أن يكون انعكاس الأزمة على الجزائر؟
الأزمة العالمية لا تزال بارزة للعيان، وهي الآن تضرب أوروبا على وجه الخصوص التي هي أول شريك اقتصادي للجزائر.
بالنسبة للجزائر كلما كانت أوروبا في أزمة، تكون هناك انعكاسات مباشرة على الرغم من بعض التراجع في حصة أوروبا في العلاقات التجارية الخارجية للجزائر خلال الـ15 سنة الأخيرة بالمقارنة مع المغرب وتونس.
ولحسن الحظ، فإن الوضعية المالية للجزائر حسنة، وزبائن الجزائر يطلبون دائما البترول والغاز، كما أن البلاد لا تعتمد إطلاقا على الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
بالنسبة للحالة الجزائرية كما يقول المرحوم بوضياف، “الشر يوجد في داخلنا”. بمعنى أن الأزمة الاقتصادية بالنسبة للجزائر هي أزمة جزائرية قبل كل شيء.
نحن نعيش بسهولة، باللجوء إلى الاستيراد لمواجهة الطلب المحلي، كما أن جرثومة الريع مست جميع الجزائريين. وفي حال استمر المأزق الحالي للحكومة فإن الأضرار ستكون كارثية. إنه من واجب الدولة أن تكون هي المثل الأعلى في بدل الجهد والحزم والشفافية والدمقرطة وتطهير المجتمع من الرشوة.
بعد عشرية من ارتفاع أسعار النفط، هل أصيبت الجزائر بالمرض الهولندي، وهل يمكن الشفاء منه بعد أن تجاوزت فاتورة الواردات 50 مليار دولار سنويا؟
لقد تحدثنا عن عقلية “المرض الهولندي” وإشكالية الريع التي سهلت الحياة ودفعت الدولة باللجوء إلى الحلول السهلة بفضل الموارد المتوفرة. ولكن في حالة الاقتصاد الجزائري هناك عاملان لانفجار فاتورة الواردات:
1) أولا، برنامج التجهيز العمومي الضخم، على اعتبار أن جل التجهيزات الضرورية مستوردة من الخارج، كما أن الدولة لم تبدل أي جهد حتى تستفيد الشركات الجزائرية من البرنامج.
2) العامل الثاني الذي فسر انفجار فاتورة الواردات، ذو طبيعة سياسية: سوق السلع الاستهلاكية تعرف وفرة عالية جدا، سيارات، تجهيزات كهرومنزلية، ملابس، مستحضرات التجميل، مواد غذائية صناعية، خضر وفواكه، إننا نعيش وضعية تذكرنا ببرنامج مكافحة الندرة الذي أطلقته حكومة عبد الغاني بداية الثمانينيات، والأجواء التي سبقت مؤتمر حزب جبهة التحرير الوطني الذي عقد تحت شعار “من أجل حياة أفضل” للمرحوم محمد الشريف مساعدية. لقد كانت هذه السياسة مكلفة جدا، وعليه يجب أن نعمل على خفض الواردات، لأن الموارد المالية قابلة للنضوب.
إن الشيء الوحيد الذي يجب أن يعرفه حكام الجزائر على المدى الطويل هو عجزهم عن تعويض حاجة الجزائريين للديمقراطية والانفتاح السياسي وحرية التعبير، باستيراد السلع والخدمات من الخارج من جهة، ومن ناحية أخرى يجب الإشارة إلى الأضرار التي تكبدها الاقتصاد الجزائري والجهاز الإنتاجي الوطني من جراء لجوء المواطنين إلى الحياة السهلة التي لا يستطيعون ضمان استمرارها على المدى المتوسط. إن العودة إلى الوراء سيرفضها الجزائريون بطريقة عنيفة، أما الذين كانوا نائمين لفترة فإن الصدمة ستوقدهم.
23 سنة بعد انهيار جدار برلين نجحت دول أوروبا الشرقية في الانتقال إلى اقتصاد السوق بأخف الأضرار، وفشلت الجزائر، لماذا؟
بلدان أوروبا الاشتراكية سابقا، بدأت أولا بالتحول السياسي. سقوط جدار برلين رافقه تصفية الحزب الشيوعي الحاكم والانتقال إلى التعددية الحزبية الحقيقية وتنظيم انتخابات حرة ووصول أحزاب ديمقراطية إلى السلطة. وبالتالي فإن الشرط السياسي لنجاح التحول الاقتصادي تم توفيره. كما أن برامج بناء اقتصاد السوق كانت واضحة ومتناغمة وتم تطبيقها بدون تردد: برامج الخوصصة حققت نجاحا كبيرا، كما أن الانفتاح للاستثمارات الأجنبية المباشرة كان حقيقا، وتم التخلي عن التخطيط المركزي لصالح الضبط، كما أن الدولة التزمت بالتحرير التام للمبادرة الخاصة، وكلها عوامل نجاح رئيسة بالإضافة إلى الدعم المالي الذي استفادت منه هذه الدول من الاتحاد الأوروبي. وفي كلمة واحدة فإن كل هذه العناصر لم تتحقق في الجزائر.
إن طبيعة النظام السياسي الجزائري لم تتغير، والريع البترولي ازدادت حدته، القطاع العمومي لم تتم خوصصته بطريقة جادة، وباختصار، فإن السؤال الحري بالطرح هنا هو معرفة ما إذا كانت الدولة والحكومة تريدان فعلا تحقيق تحول ديمقراطي واقتصادي نحو اقتصاد السوق!