إصلاح العربة قبل تغيير الأحصنة
أسدل الستار إذن على آخر فصل من فصول إعادة تدوير النظام القائم عبر التجديد للرئيس في عهدة رابعة، في حفل خاص، شهد حضور أركان الدولة العميقة وطائفة من المقربين، فيما غاب جزء من المعارضة، كان يفترض أن يحضر، ويأخذ مع الرئيس موعدا لتنفيذ العناوين الكبيرة للإصلاحات السياسية التي وردت في خطابه المكتوب.
فقبل أن تتحرك جبهة المعارضة داخل تنسيقية التغيير للمطالبة بدستور توافقي، يحول هذه العهدة إلى مرحلة انتقالية، أحاط خطاب الرئيس بمجمل مطالب المعارضة وأكثرها إلحاحا:
فقد تعهد الرئيس بإعادة فتح ورشة الإصلاحات السياسية التي ستفضي إلى “مراجعة الدستور مراجعة توافقية” بإشراك القوى السياسية وأبرز منظمات المجتمع المدني والشخصيات الوطنية، وسطر له ما يشبه خارطة الطريق، أهم محطاتها: “تعزيز الفصل بين السلطات، ودعم استقلالية القضاء، ودور البرلمان” مع تأكيد “مكانة المعارضة وحقوقها” وضمان “المزيد من الحقوق والحريات للمواطنين” وأخيرا “تحسين جودة الحكامة، والقضاء على البيروقراطية” وكذلك “محاربة الجرائم الاقتصادية”..
البرنامج الإصلاحي كما نرى يغطي أهم مطالب المعارضة وتطلعات المواطنين، وهو كفيل بتنظيم انتقال سلسل وآمن، من نظام حكم مغلق متخشب، إلى نظام ديناميكي قابل للحياة، متى توفرت الإرادة عند أركان النظام وشركاء من المعارضة، يقبلون بمبدإ إصلاح النظام على مراحل، وبالتغيير المتدرج.
فمن جهة النظام، لا بد أن تكون قد نشأت قناعة عند أركانه، أن تمرير العهدة الرابعة كان “فلتة” ساعد عليها خوف المواطنين من دخول البلد في مغامرة، مع بدائل لم تنضج بعد عند المعارضة، لكن النظام يعلم أن زمن التسويف في مباشرة إصلاحات حقيقية قد ولى، وأنه بدل البحث عن خليفة للرئيس قبل الرئاسيات القادمة، يحسن به أن يجتهد لبناء مؤسسات دستورية متوازنة، قادرة على ضبط الحياة السياسية وإدارة الدولة، أيا كان من ستفرزه المسارات الانتخابية: التشريعية أو الرئاسية.
وفي هذا السياق يكون من الأفضل للبلد أن يحسم هوية نظام الحكم، والخروج من النظام شبه الرئاسي الهجين: أما بالذهاب إلى نظام برلماني صرف، نلمس عيوبه في ما أنتجه من إضعاف للدولة عند الجارة تونس، أو التوافق على “نظام رئاسي معدل” يحتفظ فيه الرئيس، إضافة إلى الوظائف والسلطات الملكية الكبرى، والتحكم في أسلاك الدولة عبر التعيين، يحتفظ بسلطة تعيين رئيس وزراء يكون مسؤولا مسؤولية كاملة أمام البرلمان، فيما يفتح البرلمان لمنافسة حقيقية، غير مسيرة ولا مجيرة، لمكونات المشهد السياسي، ويمنح البرلمان سلطات رقابية واسعة على النشاط الحكومي ونشاط باقي مؤسسات الدولة التنفيذية.
وفي الجهة المقابلة يتعين على المعارضة أن تحسم موقفها حيال إغراءات التغيير بواسطة الشارع، وأن تقبل بمرافقة النظام في عملية التغيير المتدرج، مع التعويل على دعم المواطنين وحده في تحقيق التراكمات الضرورية للتغيير، من استحقاق انتخابي إلى آخر، وأن تنفق الفسحة المتاحة لتطوير وإنضاج بدائل للحكم مبدعة مع استقطاب جيل من الإطارات الشابة، هي التي سوف تغري الناخب على القبول بتغيير الأحصنة.