إضراباتٌ بلا نهاية
في السنوات الماضية، كان المواطنون يتعاطفون مع المعلمين والأساتذة في إضراباتهم الهادفة إلى تحسين ظروفهم الاجتماعية، بعد أن لاحظوا مدى معاناة هذه الفئة وتهميشها وغرق الكثير من المنتسبين إليها في مظاهر العوز والخصاصة.
أما اليوم، فيبدو أن حجم التعاطف الشعبي مع هذه الفئة قد تراجع إلى أدنى مستوى بعد أن كثرت الاضرابات وأصبحت “عادة” سنوية.. في كل عام يلجأ المعلمون والأساتذة إلى اضرابات مفتوحة قد تمتدّ أسابيع عديدة يرفعون خلالها مطالبَ جديدة، ويتعذر بعدها إكمالُ البرنامج الدراسي في وقته.
وبمرو الوقت، ملّ الأولياء كثرة إضرابات المعلمين والأساتذة وأصبحوا يعارضونها بعد أن بدأت تؤثر سلباً في المستوى الدراسي لأبنائهم، فضلاً عن تأثيرها في سلوكاتهم، فكثرة الفراغ مَفسدة للمراهقين، وأضحى الأولياء يرفضون هذه الاضرابات ويدعون الأساتذة إلى الشعور بجسامة المسؤولية الملقاة على عاتقهم والتقليل من اضراباتهم وإيجاد طرق أخرى للدفاع عن مطالبهم الاجتماعية والمهنية.
ومن يطّلع على تعاليق المواطنين عن الإضراب الجديد للأساتذة، يلاحظ بسهولة أن إضرابات هذه الفئة لم تعد موضع ترحيب، والساخطين عليها أكثر من الذين يعذرون الأساتذة في حركتهم الاحتجاجية. ويقول المواطنون إن الأساتذة قد حصلوا على الكثير من حقوقهم، وإن أوضاعهم الاجتماعية والمهنية قد تحسّنت مقارنة بما كان عليه الأمر قبل عشر سنوات فقط، ولا مبرّر للجوء في كل مرة إلى رفع مطالب جديدة والدخول في إضراب جديد للضغط بالتلاميذ لتحقيقها، لأن الإضرابات المتتالية تزيد المستوى الدراسي للتلاميذ تدهوراً وتدنياً.
والواقع أن الأولياء على حق في هذه النقطة؛ فالإضرابات المتكررة تُعدّ أحد أسباب تراجع المستوى الدراسي للأجيال الجديدة من التلاميذ، وهي ذريعة قوية لخروجهم في كل سنة إلى الشارع للمطالبة بمهزلة العتبة، ولكن الإنصاف يقتضي القول إن كثرة الإضرابات ليست السبب الوحيد، وهناك أسبابٌ عديدة ومنها عدم نجاعة “الإصلاحات” التربوية، وإسناد قطاع التربية إلى غير أهله؛ من بن بوزيد إلى بن غبريط، ومنها استفحال المخدّرات التي تفتك بالوسط التربوي، والاكتظاظ في الأقسام، وعدم حرص الكثير من الأولياء على متابعة المسار الدراسي لأبنائهم بشكل يومي ومنتظم… وغيرها من العوامل التي لا يتّسع المجال لذكرها كلها في هذه العجالة، والنتيجة واحدة وهي تدني مستوى المدرسة الجزائرية وغياب تكوين قاعدي جيّد يؤهّل تلاميذنا للجامعة، ما يجعل الآلاف يتخرّجون فيها كل سنة بخواءٍ معرفي لم يعد يُخفى عن أحد، وقد أثر سلباً في تصنيف الجامعة الجزائرية على المستوى الإفريقي والعربي، ولا نتحدّث عن التصنيف العالمي.
لسنا ضد أساتذتنا ومطالبهم، لكننا نرجو أن يسود الاستقرار قطاع التربية بعد سنوات عديدة من الاضطرابات، وتنتهج النقابات والوزارة حوارا جديا وعميقا يفضي إلى حلول وسط تُنهي دوامة الإضرابات غير المنتهية وتستجيب لتطلعات الأساتذة في حدود الاستطاعة. دون استقرار، لا يمكن أن نتحدّث عن إصلاحات تربوية تضع حدا لتدهور مستوى المدرسة الجزائرية ويعيد إليها ألَقها الذي كانت عليه في السبعينيات وهيبتَها بين الشعوب والأمم.