الرأي

إعادة الاعتبار للعمل.. هي المستقبل

محمد سليم قلالة
  • 2189
  • 0

لعلنا فكَّرنا في مستقبل السياسة، وفي مستقبل الاقتصاد وربما حتى في مستقبل المجتمع والثقافة، ولكننا بكل تأكيد لم نفكر في مستقبل مُحرك كل هذه الآفاق: العمل كقيمة أساسية، تَبقى كل مشاريعنا المستقبلية من دونها مجرد محاولات لإيجاد مخارج للأزمة التي نعيشها دون جدوى…

بكل تأكيد سيقول البعض إننا لم نُفكر في مستقبل أي قطاع تفكيرا استشرافيا بمعنى الكلمة، كل محاولاتنا لإيجاد حلول للمشكلات التي نعيش، إنما هي مجرد هروب إلى الأمام وتأجيل للأزمة إلى حين، ذلك أننا لا نُقِيمُ سياساتنا العامة على دراسات استشرافية موضوعية، إنما على حسابات ظرفية لا يتعدى مداها الزمني بضعة أشهر على أكثر تقدير، بدليل أننا في كل سنة مالية نحتاج إلى قانون تكميلي نحاول من خلاله تجنب الوصول إلى حالة الانسداد التي عادة ما تؤدي إلى الانهيار…

هذه حقيقة ينبغي أن نسجلها ابتداءً، ولكننا مع ذلك ينبغي أن نقول أن القليل من محاولات التكيف مع المستقبل يُمكِنه أن يُبقِي لدينا بعض الأمل في أننا يمكن أن نتجاوز الصعوبات التي تعرفها قطاعاتنا المختلفة لو أَعدنا الاعتبار للمحرك الرئيس لكل مشروع مستقبلي، أي العمل.

مشكلتنا تكمن بالدرجة الأولى في هذا المستوى أننا، سواء كانت لدينا مشاريع مستقبلية أو مجرد محاولات ظرفية، لا نملك استراتيجية بعيدة المدى تقوم على العمل كمُعطى أساس. سياساتنا المختلفة ما فتئت تقوم على توزيع مستمر للريع وفي غالب الأحيان بطرق غير عادلة وغير شفَّافة. هذا الريع البترولي هو الذي أوقف محرك النهضة في بلادنا وقتل العَمَل كقيمة ثقافية اجتماعية واقتصادية لدينا، وكان من نتائج ذلك أن بُنيت السياسات المختلفة على فكرةٍ، هي النقيض تماما للعمل: البيع والشراء والمساومات في كل المجالات بما في ذلك المساومة على العمل.

في كل الميادين نجد هذه السياسة مُعتمَدة، حتى أن عقول الشباب وسواعدهم، بدل أن تتحول إلى قوة عملٍ دافعة، تم شراؤها وبيعها في سوق السياسة باسم البحث عن السلم الاجتماعي. وبرزت إلى الوجود مصطلحات تُحقِّر العمل وتَسخَر من الذين يسعون من خلاله إلى كسب القوت أو خلق الثروة، جميعهم أُرغموا، على فهمٍ محدد لمعادلة البيع والشراء قائمة على أنه ينبغي الفوز بنصيب من الريع في شكل من الأشكال، (قرض أو مساعدة لشراء عربات أو آليات أشغال عمومية أو وسائل إنتاج مختلفة أو غيرها)، ولا يهم بعدها إن رافقت ذلك محاولة للعمل أو لم تَحدثإطلاقا.

وكثيرا ما لم تحدث حيث اعتبرت الغالبية أن من حقها اعتبار الوسيلة التي مُنحت لها، ليست أداة مُساعدة على العمل بل هي مكسب مساو للحق في الريع يُغني عن العمل. وكانت النتيجة غير المتوقعة تماما، أن غالبية من استفادوا من الريع البترولي في شكل عتاد أو قروض مصغرة بالصيغة التي جاءت بها (دعم التشغيل، قروض مصغرة …الخ)، وجدوا أنفسهم في صراع مع الذات انتهى في الغالب بقتل قيمة العمل لدى الكثير منهم. واكتشف هؤلاء هذه الحقيقة، في كثير من الأحيان، بعد فوات الأوان. وبدأت الكثير من الصيحات تتعالى هنا وهناك: خذوا ما أعطيتمونا من عتاد ووسائل وقروض وأَعيدوا لنا قيمة العمل….

وهو ما نعيشه اليوم، وما ينبغي الانطلاق منه للتفكير في المستقبل.

كيف نُعيد الاعتبار لقيمة العمل والجهد الفكري والعضلي، وكيف نُعيد صَوغ سياسةٍ للأجور والمكافآت والتحفيزات قائمة على هذا الأساس وليس غيره؟

يبدو أن هذا ما ينبغي أن يتمحور حوله كل تفكيرنا في نطاق الحلول المطروحة أمامنا لمواجهة صعوبات المستقبل. كل تلك المقترحات التي جاء بها قانون المالية 2016 في مجال التجارة الخارجية أو الاستثمار أو الحد من النفقات، على افتراض أنها صحيحة، لن تكون مجدية في ظل الاستمرار على نفس السياسة القائمة على توزيع الريع أو على الاعتماد على مَن مَكّنهم التوزيع غير العادل له من الثروة أو من احتلال أماكن مرموقة في الاقتصاد الوطني..

الحل يكمن في إقامة فرز حقيقي بين الذين يعملون والذين لا يعملون، ليس بالمفهوم الأخلاقي فحسب إنما بالمفهوم الاقتصادي أيضا، وليس بمفهوم كبار المتحكمين في قطاعات استراتيجية في مجالات الإنجاز والتوزيع والخدمات الذين أصبحت لديهم إمكانيات مالية هائلة، إنما بمفهوم المنتجين في أي مستوى كان من عمال وتقنيين ومهندسين ومكوّنين وكفاءات في جميع المجالات… هؤلاء أيضا في حاجة إلى أن يتم الفرز بينهم على أساس مَن يعمل ومَن لا يعمل، لا على أساس من أخذ نصيبا أكبر مَن الريع ومَن لم يأخذ.

في جميع القطاعات أصبحنا اليوم في حاجة إلى تصحيح معادلة العلاقة بالعمل، إذا أردنا أن نجد حلولا استباقية للأزمة، علينا أن نميز حقيقة في مجال الأجور والتحفيزات والعلاقات، بين الذين يعملون والذين لا يعملون، الذين يُقِّدمون قيمة مضافة في قطاعاتهم والذين لا يُقدمون، بعيدا عن تلك السياسات القائمة على أساس حسابات الولاء، والشراء والبيع في السلم الاجتماعي التي أثبتت عدم جدواها بكافة المقاييس…

في أي قطاع من القطاعات ينبغي أن نُعيد النظر في سُلَم تقييم العمل، وإن حَمل معه مخاطر على صعيد الاحتجاج الاجتماعي من قِبل المستفيدين التقليديين من الريع الرافضين للعمل… وهذا إن تطلب تَضحيات وجهد كبيرين وصبرٍ فإنه يتطلب قبل كل ذلك تغييرات كبيرة على مستوى القيادات المسيرة على أكثر من مستوى، ويتطلب تصحيح الخلل في مستوى المسؤوليات والمهام المُسندة لغير مستحقيها، وإعادة الاعتبار للكفاءات الوطنية الحقيقية إن في الداخل أو الخارج لتتبوأ مكانتها الملائمة بعيدا عن كل مجاملة أو محاباة أو مزايدات باسم شراء السلم الاجتماعي. وقبل هذا أو ذاك يتطلب الأمر قيادات سياسية ذات كفاءة عالية وتتمتع بالشرعية ولديها كل المصداقية لقيادة هذا المسار الصعب والجاد في آن واحد، القادر وحده على تمكيننا من تصحيح الاختلالات التي عرفها اقتصادنا الوطني وجميع مرافقنا العمومية والخاصة.

إن المسألة بحق، لا تتعلق بحلول ترقيعية هنا أو هناك، وبمحاولات تُصيب وتُخطئ في مواجهة انعكاسات الأزمة التي نعيش، إنما بحلول جوهرية بعيدا عن أي مجاملة في مجال التمييز بين الذين يعملون والذين لا يعملون…

مقالات ذات صلة