إعصار سياسي أمريكي
يلف الإعصار الأمريكي السياسي المنطقة وتكاد عينا وزير الخارجية الأمريكي لا يعرف النوم إليهما سبيلا.. لقاءات متوالية مفتوحة مع السلطة الفلسطينية وقادة الكيان الصهيوني إلى لقاء مع ملك الأردن، والطيران ليلا إلى لقاء العاهل السعودي والعودة قبل الفجر إلى فلسطين، وعلى هامش هذه اللقاءات والرحلات يفتي المفتون ويحلل المحللون ويصرح السياسيون ويحضر المفاوضون أوراقهم، يقدمون ويؤخرون.. تكثر التكهنات ويسيل لعاب البعض وييبس ريق آخرين، والإعصار السياسي يجعل من القضية الفلسطينية التي همشها الربيع العربي القضية الأكثر تثويرا وإثارة.
في كل بلد عربي يعاد تركيب الأشياء الأولى وترتيب الأشخاص والأولويات بما يتناسب مع نتائج الإعصار الأمريكي القادمة بلا شك على أرضية صيغة حل قد تتأخر لمدة عام كامل.. ويضع الأمريكان عاما إضافيا للانتهاء من سلسلة المفاوضات التفصيلية بين الفلسطينيين والإسرائيليين لكي يكون هذا العام كافيا لترتيب شروط أمنية إقليمية تجعل من التسوية أمرا واقعيا.
وتدخل التسريبات دهاليز التفصيلات من مطار هنا إلى ممر لقطار بين رام الله وغزة إلى أراض منزوعة السلاح إلى اخرى تحت سيطرة اردنية امريكية إلى تفصيلات اكثر دقة، خاصة بالاقتصاد والأمن.. ويتحدث البعض عن تبادل يشمل جزءا من المثلث ويتحدث البعض عن استيعاب الأردن اللاجئين الفلسطينيين بداخله وذلك بتعويض، ويبدأ آخرون بالحديث عن المصالحة في ظل التسوية المحتملة، هل تتم المصالحة ويتم تشكيل حكومة وطنية تسهل عملية الانتخابات التشريعية والرئاسية.. والأغرب من هذا ان يختلف الناس في مجالسهم حول من سيشرف على القطار الواصل بين غزة ورام الله، هل هو الأمن الداخلي التابع لحماس، أم الأمن الوقائي والمخابرات الفلسطينية؟
كثير من تصريحات المتحدثين الرسميين في السلطة الفلسطينية لا تنبئ عن حل قريب.. ولا ندري لماذا يحاول الإعلام القريب من كيري تمرير الإشاعات بأن الحل اصبح قريبا جدا.. كما لا ندري بالضبط لماذا تواصل الصحف الرسمية الإسرائيلية ومعها كثير من المسئولين الإسرائيليين إحاطة الموضوع بأنه ضغط قوي على نتنياهو الذي يجد نفسه بلا قدرة على اتخاذ مواقف تاريخية لتسوية يتم بموجبها التنازل عن مفاصل في المشروع الصهيوني.
الفلسطينيون اليوم مترددون مشتتون بين فصائل لا تعرف ما يدار هناك، وبين شعب يعاني البطالة والظروف القاسية، وعدو يتربص بهم الدوائر.. فهل يسير الفلسطينيون إلى صيغة أوسلو 2، وبالتاكيد لن تنفذ الاتفاقيات فور توقيعها، وسوف تخضع لعامل الزمن الذي يجعلها عرضة للتآكل كما حصل لاتفاقية أوسلو1 وهذا يعني مجددا توفير الغطاء الرسمي والعملي لانطلاق عمليات تهويد كبيرة ضد المكون الفلسطيني.. إن الإعصار الأمريكي سيرتب لنا أولوياتنا ويبقي على حقيقة واحدة وهي إبقاء اسرائيل دولة استيطان وجريمة مستمرتين.. تولانا الله برحمته.