“إعلان في الشروق غير حياتي بعد 12 سنة من الضياع في مصر”
لم تكن تدري هل هي جزائرية أم مصرية أم ليبية، كما لم تكن تدري إن كان والدها علي قيد الحياة أم وافته المنية، ولم يكن هو الآخر يعلم إن كانت فلذة كبده على قيد الحياة وهو من تسلم من طليقته المصرية شهادة وفاة مزورة..
- أمي أرغمت والدي على التوقيع على وثيقة التنازل عني
- .. تصمت للحظات ثم تتحدث قائلة “لم أكن أذكر حينها شيئا لأني كنت طفلة صغيرة، لكنني كنت أعي جيدا حجم الخلافات التي كانت بين والدي وأمي، أبي كان يرفض التنازل عني، وأمي كانت تتشبث بي بالرغم من بلوغي سن التاسعة، وهو ما يسمح لوالدي بحضانتي، فلم تجد أمي ما تفعله أمام رغبة والدي غير تحريض بلطجية ليبيون، قاموا بضرب والدي وإرغامه التوقيع على وثيقة التنازل عني في المحكمة وكان ذلك ما حدث، فتنازل عني والدي بوثيقة في إحدى المحاكم الليبية” تتوقف وتتنهد ثم تكمل قائلة “كانت تلك آخر مرة أرى فيها والدي .. لا تزال ملامحه ساكنة في مخيلتي طفولتي..
- وأمام خوف والدتي من أن ينتقم والدي ويحاول استرجاعي بأية وسيلة، خططت أمي لتهريبي من ليبيا إلى مصر عام 2001، لتنجح بذلك عام 2002، عبر بنغازي الليبية عن طريق الحدود بين البلدين.
- أمي قدمت لوالدي شهادة ميلاد وفاتي وهربتني إلى مصر دون وثائق
- عاد والدي بعدها للبحث عني في ليبيا، والتقت بوالدي هناك لأنها كانت تعمل في ليبيا، فلجأت أمي إلى استخراج وثيقة وفاة مزورة من ليبيا تثبت وفاتي، سلمتها لوالدي، وكنت عندما أسألها عن والدي تقول لي “لقد تنازل عنك بوثيقة تنازل في المحكمة لماذا تصرين على البحث عنه إنسيه..”.
- دخلت مصر موطن أمي .. لم تكن لدي أية وثيقة تثبت من أكون، سوى وثيقة ميلاد رثة وبالية تحتفظ بها أمي، وثيقة ميلاد عليها اسم والدي وأمي ومسقط رأسي ليبيا، كنت حينها صغيرة، تركت مدرستي في لببيا وكنت متفوقة في دراستي، ولأني لا أملك أية وثيقة أخرى غير شهادة الميلاد الرثة حرمت من الدراسة ولم تستطع أمي أن تفعل شيئا لإتمام دراستي في مصر، كنت أرى تلاميذ المدارسة يحملون محافظهم إلى المدرسة في (الأتوبيس) ولم يكن شيء يدور في ذاكرتي غير صورة والدي ومدرستي في ليبيا.
- سلمتني أمي وثيقة وفاة والدي حتى لا أبحث عنه
- تزوجت أمي من رجل مصري آخر.. وشعرت بأمس الحاجة إلى والدي، خاصة بعد أن أنجبت أمي ولدا من زوجها الثاني، وأمام إصراري على البحث عن والدي وشوقي إليه لم تجد أمي لتخمد معاناتي غير شهادة ميلاد مُزورة تثبت أن والدي توفي.. بكيت والدي ولم أعد أعرف ماذا أفعل، وبقيت على تلك الحال، ومرت علي سنوات، اعتقدت فيها أن أبي قد مات، دفنته في قلبي لكن إحساسا ما كان يناديني ”بابا عايش لسا ممتش ”.
- اتجهت إلى أمي وأخبرتها أني سأبحث عن أبي حيا أو ميتا لتخبرني بقولها “ابحثي عنه ربما ستعثرين عليه” فهمت من كلامها أن والدي قد يكون حيا..
- قررت أن أُجرب حظي مع القدر وأن أبحث عنه لعلي أزور يوما الجزائر وأعثر على قبره أبكيه فيه، اتجهت إلى القنصلية الجزائرية بمصر مطلع عام2011، وقصصت لهم القصة، فعرض علي فريد واحد من الجزائريين العاملين بالقنصلية مساعدتي، ليتصل بالسيدة دليلة وهي رئيس جمعية الجالية الجزائرية بالقاهرة، قدمت لي كل المساعدة، لتباشر معي رحلة البحث عن عائلة أبي بالجزائر، وكم كانت فرحتي لا توصف عندما علمت القنصلية أن والدي الذي أبحث عنه.. حي يرزق تتكلم بلهجة مصرية “بابا لس عايش”.
- تمنيت لو كنت طيرا وحلقت إلى الجزائر، ولم أصدق ما سمعت، حتى شاهدت بأم عيني شهادة ميلاد والدي التي جلبتها لي القنصلية الجزائر بمصر.
- إعلان صغير مع رقم هاتفي في جريدة الشروق يغير مجرى حياتي
- اتفقت مع القنصلية الجزائرية ورئيسة جمعية الجالية الجزائرية بمصر السيدة دليلة التي قدمت لي كل العون والمساعدة على وضع إعلان بجريدة الشروق مع صورة لي ورقم هاتفي، فكان أن تم نشر الإعلان عبر جريدة الشروق في جانفي2011 ، ولم تمض غير ساعات يتصل بي والدي وهو لم يصدق، أني على قيد الحياة، سألني إن كانت قد ولدت في ليبيا، وإن كانت أمي هي من تحمل اسم (…) .
- كنت أسمع صوت بكاء والدتي، وتمنيت لو أستطيع أن أمسح دموعه، وكأن أبي لم يكن مُصدقا، تصمت ثم تجيب قائلة .. فجأة مر علي ألبوم صور حياتي كيف هربتني أمي من ليبيا وكيف حرمت من الدراسة في مصر.. أخيرا وجدت أبي، لن تكفيني كل جرائد الدنيا لأحكي لكم قصة معاناة عمرها 17 عاما.
- كل دقيقة كانت تمر علي كانت بعمر السنة
- ومنذ أن عرفت أن والدي على قيد الحياة أصبحت أعد الثواني والساعات، حتى ألقاه بالجزائر، بالأرض التي كنت دائما أبحث عنها، لأنها أرض والدي، صحيح أني ولدت بليبيا وتربيت في مصر ونشأت فيها، لكني كنت أشعر أني أحيا بلا روح، كنت أحس أن حياتي كان ينقصها شيء.
- وبعد قرابة الأربع أشهر، تحصلت على جواز سفر بفضل مساعدة القنصلية الجزائرية بمصر ومساعدة رئيسة جمعية الجالية المصرية بالجزائر، السيدة ليلى، التي أكدت في اتصال أجريناه معها عبر الهاتف، أن قصة هجيرة عايشتها بكل آمالها منذ أن قررت البحث عن والدها، إلى غاية اكتشافها أن والدها حي وأنه بإمكانها السفر إلى الجزائر.
- قررت بعدها هجيرة السفر إلى الجزائر بعد حصولها على كل الإجراءات بفضل مساعدة الناس الطيبين من جزائريين ومصريين وفي مقدمتهم رئيسة جمعية الجالية الجزائرية بمصر السيدة لدليلة، والقنصلية الجزائرية
- وتختم حكايتها بشكرها لكل من ساعد في لقائها دون أن تنسى جريدة الشروق التي ساهم إعلانها في لقاءها بوالدها، الجريدة التي كانت تسمع عنها عبر فضائيات الفتنة زمن الحرب الإعلامية بين الجزائر ومصر، هي نفسها الجريدة التي ساهم إعلان صغير فيها بفضل انتشارها وتغلغلها فير كل عائلة جزائرية.
- لحظة الوصول إلى مطار هواري بومدين
- الساعة الثالثة وعشرون دقيقة من مساء أمس بمطار، هواري بومدين، يحضر إلى المطار أخوها، وابن عمها الذي صرح للشروق، أن والده يتعذر عليه لقاؤها بالمطار لأنه يرقد بالمستشفى بعد إصابته بمرض، مع العلم أن عائلة هجيرة تنحدر من مدينة قسنطينة.
- وقبلها بنصف ساعة تنطلق الطائرة الجزائرية القادمة من مصر نحو الجزائر وعلى متنها هجيرة رقيق، لننتقل بدورنا من مقر الجريدة بعد حوالي أربع ساعات وهو توقيت وصول الطائرة بمطار هواري بومدين، أي في تمام الساعة والنصف تكون هجيرة قد وطأت قدماها لأول مرة أرض الجزائر في اتجاهها إلى مدينة قسنطينة، حيث يرقد والدها بأحد المستشفيات على أمل اللقاء وعلى أن ننقل إليكم تفاصيل اللقاء عبر أعدادنا القادمة.
-
جزائرية حرمت من والدها ووطنها بسبب خلاف عائليهجيرة:إعلان الشروق غيّر حياتي بعد 12 سنة من الضياع في مصروصلت أول أمس هجيرة رقيق إلى مطار هواري بومدين في تمام الساعة السابعة والنصف، قادمة من مصر، حيث كان في استقبالها أخوها الأكبر وابن عمها قادمين من ولاية قسنطينة، ولم تتمالك هجيرة نفسها وهي تطأ رجليها لأول مرة أرض الجزائر قبل أن تنهار باكية أمام عائلتها.دموع عيون هجيرة وهي ترفع يديها للسماء قائلة “أحمدك يارب أحمدك يارب .. شفت بلدي وشفت خواتي ..”، أبكت كل من كان داخل المطار من أعوان أمن ومسافرين، بل إن الكثير منهم أبى إلا أن يأخذ صورا تذكارية معها، وأن يهنئها على العودة.
-
كما لم يستطع أخوها وابن عمها تمالك نفسهما، حيث بقي أخوها لدقائق طويلة يمسح دموع عينه، عندما شاهد شقيقته لأول مرة، غير مصدقا أنه فجأة أصبح له أخت ليردد قائلا: “… لن نسمح بأن يأخذك أحد منا ..”.
-
كما صرحت هجيرة للشروق اليومي لدى وصولها مباشرة إلى الجزائر، أنها تشكر كل من ساعدها في حل قضيتها بدءا من القنصل الجزائري بمصر والسيدة دليلة بولعينين إلى جانب جريدة الشروق، وقالت المتحدثة، إن وصولها إلى الجزائر لا يعني انقطاعها عن بلدها مصر، حيث أكدت أنها ستبقى بين مصر والجزائر، معربة أنه آلمها ما حدث بين البلدين الجزائر ومصر في فترة من الفترات.
-
ومن جهة أخرى صرح أخو هجيرة قائلا: “.. بإذن الله هجيرة ستعيش بيننا وتكمل بقية حياتها بين والدها وعائلتها في قسنطينة وسنعوض لها كل سنوات الحرمان من الحنان”
-
كما عبّرت المتحدثة ذات 17 عاما، أن يعُم السلم موطن ولادتها ليبيا، حيث بكت وبحرقة عما يحدث في ليبيا.
-
كما أكدت هجيرة أنها تكن كل الحب لوالدتها بالرغم مما فعلته بوالدها، وحرمته من مشاهدة فلذة كبده قائلة: “إني أتفهم أن حب والدتي لي ورغبتها في أن أبقى معها كان وراء ما فعلته بوالدي .. غير أن أمي كان عليها أن تعرف أني سأكبر يوما وأبحث عن والدي حيا أو ميتا “.
-
وبكل براءة راحت تسحب من حقيبتها صورة لوالدها وأمها المصرية، وهي ترتدي لباسا ليبيا، لتؤكد قائلة “.. لقد بقيت طيلة 12 سنة وأنا أحدق في صورة والدي لأنه كان يشبهني .. لم أصدق يوما أنه مات ولم يعد موجودا بيننا كان لدي إحساس بأنه على قيد الحياة”.
- ولقرابة أكثر من ساعة من اللقاء في مطار هواري بومدين، غادرت هجيرة رفقة عائلتها في طريقها إلى قسنطينة لرؤية والدها الراقد في إحدى مستشفيات قسنطينة.