إنّهم يحترقون؟!
يحدث أن ينتحر مواطن أمام الملأ، فيختار عمارة شاهقة، أو جسرا مزدحما، ليقول للناس أجمعين، بلغة الصمت المدوّي، أنه محڤور في هذه البلاد التي يسوسها كمشة من العباد، تولوا المسؤولية، وتحكموا في زمام الأمور، وأضحوا من أصحاب الحل والربط، فضمنوا لهذا المواطن الزوالي رحلة نحو الآخرة مدفوعة التكاليف، بعد ما جرّدوه في الدنيا من الكرامة ونزعوا من فمه لقمة الخبز النظيف، ورموه غير آبهين ولامبالين، مع الكم المهمل من بقايا المواطنين، ليتم تقييده في سجلات الموتى على أنه منتحر “أو انتحاري”، فتتحول مأساته إلى مجرد خبر على صفحات الجرائد أو رقما في إحصائيات المختصين، أو عينّة للدارسين والباحثين؟!
- يحدث أن يُقدم رجل في الخمسينيات من العمر، ابن شهيد، على حرق نفسه أمام مقر للمحكمة، رمز العدالة في الأرض الفانية، فيتحول إلى كرة لهب من لحم ودم، ويتحرك الجميع من كل حدب وصوب، في المدينة الخجولة بمسؤوليها، مكبّرين، متحسرين، ناقمين على هذا الوضع الأسود القاتم، وفي لحظات، يتحول جسد ابن الشهيد إلى رماد، وتنطفئ حرارته بموته المفجع، وينتهي الحال إلى مجرد خبر بارد في الصحف، مع استمرار التطنيش من طرف الإذاعة والتلفزيون، ليكون ابن الشهيد بالأمس، شهيدا جديدا للمرحلة الحالية، حيث تسكن المأساة القلوب، وتنفطر العقول من شدة اليأس، ويمتد الحزن حتى ممارسة الحرق؟!
-
القصتان الماضيتان ليستا من وحي الخيال، أو الأدب، بل إنهما واقعيتان جدا، لطالب جامعي من تنس، بولاية الشلف، ولإبن شهيد من مدينة الرمشي في تلمسان، الأول تم إنقاذه من موت محقق، والثاني لقي خالقه بعد ما يئس الأطباء من شفاء كل حروقه، فهل سمع المسؤولون والوزراء والأميار والولاة والأمناء العامين والمديرين والنواب والمنتخبين بهذين المواطنين، أم أنهما، كغيرهما، مجرد كمّ مهمل، لا يحضر ولا يغيب، لا يُفتقد ولا يستشر؟!
-
ما يحدث في كثير من الولايات، والمناطق النائية من قتل للنفس بلا حق، وانتحار متعدد الأنواع والوسائل والطرق، وتزايد جرائم الاغتصاب والاختطاف وانتهاك الأعراض، كلها نابعة في الأصل من الظلم الكبير الذي يسود المجتمع، ويتوزع بشكل عادل على المواطنين في الجزائر العميقة، بشكل وسّع الهوّة بين الحاكمين والمحكومين، وجعل من الموت الإرادي والانتحار الطوعي، والمنفى الاختياري، مخرجا مناسبا لجزائر لم تبتسم للجميع؟!