الرأي

إيران- تركيا..بين التنافر والتقارب

صالح عوض
  • 2712
  • 2

رسم الصفويون والعثمانيون خريطة علاقات متوترة مشوبة بالشك والتصيد بين تركيا وإيران ردحا من الزمن.. ذهب الصفويون وذهب العثمانيون، وتحكم في البلدين نظامان ديكتاتوريان حليفان للغرب، وكانا بمثابة أداة فاعلة بيده ضد هوية الأمة وانتمائها ومصالحها الإستراتيجية.. وترافق مع ذلك تعرض البلدين لموجة من التغريب والعلمنة قاسية، ولقد أعجبَ الشاهَ رضا بهلوي بما كان من تغريب في تركيا مصطفى كمال، كما شكل البلدان ضامنا حقيقيا للجم المنطقة العربية، وصرفها عن قضية فلسطين.

سقط النظامان العلمانيان بطريقتين مختلفتين، وأعلن في كل منهما التأييد للحق الفلسطيني بكيفيات مختلفة أيضا.. فلئن صرح الإيرانيون بأنهم لن يقبلوا بأقل من إزالة الكيان الصهيوني من ارض فلسطين، اكتفى الأتراك بإعلان التأييد للمقاومة الفلسطينية، فيما بقيت العلاقة الرسمية والفعلية مع اسرائيل، ولازالت تركيا عضوا في حلف الأطلسي.

بين تركيا الأردوغانية وإيران الخمينية نقاط التقاء جوهرية، كما أن هناك افتراقات واضحة وحاسمة، الأمر الذي يجعل العلاقة بين البلدين تتأرجح بين المصالح والمواقف المرشحة باستمرار إلى التفجر أو التوافق.. ويدرك كل من البلدين أن هناك مصلحة إستراتيجية في الالتقاء للتفاهم في ملفات حيوية، على رأسها الملف الكردي وما يمثل من خطورة على البلدين..

وفي لعبة التحالفات والاصطفافات المتبدلة كحركة الرمال من موقع الى آخر، أصيب التحالف السعودي التركي بهزة عنيفة، عندما سارع السعوديون الى إعلان موقف مساند وقوي مؤيد لإسقاط حكم الإخوان في مصر، الأمر الذي لم يستقبله الأتراك بارتياح، بل اتجهوا للتعريض به كما جرى في لقاء مؤخرا جمع بين اوغلو وسعود الفيصل، حيث تلاسن الرجلان، وأبديا امتعاضا كافيا لإحداث قطيعة سياسية.. لم يكن موقف إيران مما حصل في مصر منحازا للإخوان المسلمين، لكنه لم يكن أيضا مؤيدا للانقلاب، الأمر الذي تلقفه الأتراك بعين الرضى.. في صفقات أمنية بين البلدين سلم الأتراك للإيرانيين بموجبها عملاء إيرانيين يشتغلون لصالح الموساد الإسرائيلي، التقوا بمشغليهم على الأراضي التركية، ما يعني ان هناك علاقات عميقة تحت الطاولة بين البلدين، قد يكون الإيرانيون أراحوا الأتراك من تهديدات أمنية تستهدف مصالح تركية..

ليس من سبيل أمام الأتراك إلا فتح الأبواب كلها مع إيران التي تسعي بقوة إلى تمدد جبهة المعارضة للسياسات الأمريكية، والاختراقات الأمنية الإسرائيلية.. وهذا يعني تعديل مواقف من قبل البلدين للتوصل إلى رؤية سياسية مشتركة، تصلح أن تكون ضامنة لتحالف استراتيجي بين أكبر بلدين إسلاميين في المنطقة.. وذلك يعني إيجاد تقارب في الموقف تجاه مصر وتفاهم على موقف تجاه سوريا..

وهنا يتوارد السؤال: هل تسمح الادارة الأمريكية لمثل هذا التقارب؟ وللإجابة عن ذلك لابد من الإشارة لموقف أردوغان المليء بخيبة الأمل من الغربيين، إثر موقفهم مما حصل في مصر فاتهمهم بالنفاق السياسي.. الأمر الذي يشير إلى أن الرجل قد ينطلق نحو خطوة أخرى في العلاقات الإقليمية، سيما والأمريكان في حاجة ماسة لتركيا، ولن تغامر باللعب بالنار معها.. والإيرانيون يدركون ان الموقف من فلسطين لدى الأتراك موقف عميق وجذري، وإن كان غير مترجم بحكم قيود واستحقاقات على تركيا، فإيران في هذه الحالة ترى في اقترابها من تركيا تقوية لموقف الأتراك، ودعما لهم، كما أنها تحقق ضمانات الصمود وكسر الحصار الغربي عليها، والتحرك نحو حل مشكلات المنطقة من خلال قواها الإقليمية، وليس من خلال الأجانب الغربيين.

 

أجل، إن الظروف الذاتية والموضوعية تشير بوضوح إلى فصل جديد من علاقة البلدين الجارين للعرب، ستكون محصلته ضخا جديدا لعوامل القوة في الأمة تجاه القدس.

مقالات ذات صلة