ابكي يا جزائر!
أطفأ القضاء والقدر ومشيئة الله وإرادته، شمعة أخرى من شموع الجزائر الحرّة، فرحيل الرئيس الأسبق، أحمد بن بلة، سيُضاف إلى هؤلاء الرموز الذين صنعوا تاريخ الجزائر المعاصر، والمهمّ أن لا يتكاثر الأبطال بعد انتهاء المعركة، حيث لا يمكن أن يختلف إثنان، حول رمزية وثورية ومعاناة وصبر أول رئيس للجزائر المستقلة، رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه، وألهم ذويه وأهله جميل الصبر والسلوان.
ابكي يا جزائر ابكي.. ليس على الرحيل إلى الرفيق الأعلى، ولكن على ما حصل للزعماء والأبطال، فقد أريد للتاريخ أن يتحوّل إلى قطعة أثرية، تسرّ الناظر، دون أن يعلم من أين جاءت وكيف لمّعت، والطامة الكبرى، أن جيلا جديدا من الجزائريين، ويا للأسف، يُراد له أن لا يسمع ببن بلة وبومدين وبن مهيدي وعميروش وعلي لابوانت، لكن يُراد له أن “يكره” بلاده بسماع قصص الخليفة وعاشور عبد الرحمان، وغيرهم من المتهمين أو المتورطين في الفساد!
الجزائر هي الأمير عبد القادر والشيخ بوعمامة وكاتب ياسين ومفدي زكريا وعبد الحميد بن باديس والشيخ البشير الإبراهيمي.. الجزائر هي الثورات والتضحيات وهي القبائل والتوارق والشاوية و”الجعادة” وبني ميزاب، وهي من تاء تلمسان إلى تاء تبسة ومن تاء تيزي وزو إلى تاء تمنراست.
نعم، إن جيل الاستقلال من جيل الثورة، لكن من المؤسف أن يُختزل حديث الآباء والأبناء، في الرشوة والفساد والفشل والإخفاقات واليأس والإحباط والفتنة، أليس للجزائر ما يرفع الهمم ويزرع الأمل ويشحذ المعنويات.. أليس لنا من الرجال والأبطال والشجعان والفرسان، ما يجعلنا نخرج من تحت الردم؟.
وفاة الكبار لا تعني انتحار الصغار، وإنـّما تعني في ما تعنيه، التقاط الأنفاس والإتعاظ من الدروس والعبر، وتعني أيضا تخليد وتمجيد رموز هذا الوطن، بعديا كالمثل القائل: “كي كان حيّ مشتاق تمرة، وكي مات علقولو عرجون!”
من العيب والعار، والمؤلم والمؤسف في نفس الوقت، أن تسأل خرّيج المنظومة “التغبوية” الجديدة، فتجده بارعا ملمّا بشخصيات والت ديزني والخدع السينمائية، لكنه يجهل أبسط تفاصيل هؤلاء وأولئك الذين جعلوه يتفرّج التلفزيون دون تساقط القنابل و”رانجاسات” الاستعمار الغاشم على رأسه!، نعم المسؤولية مشتركة، والعقاب أيضا ينبغي أن يوزّع توزيعا عادلا بين الخطائين والمذنبين والمصرّين على فداحة الخطايا، فأليس من العيب أن يتفنن البعض في تزويق أدقّ التفاصيل عن حياة أرلوند شاوارزنيڤر، وأنجولينا جولي وبريسلي وتومي ليجونس، وغيرهم من نجوم السينما والتمثيل، وبالمقابل لا يعرف أيّ شيئ عن علي لابوانت وجميلات الجزائر وبڤار حدّة وأولاد سيد الشيخ، وغيرهم من أبطال الواقع والتاريخ؟
هي المصيبة بكلّ أبعادها.. وحتى لا نغرق في مستنقع البحث عن المذنب والضحية، دعونا نوجه أصابع الاتهام، دون عقدة وبلا حساسية: إلى المجتمع والمدرسة والمسجد والأسرة والعائلة والوالدين، إلى السلطة والمعارضة، إلى الحكومة والأحزاب، إلى الباحثين والمؤرخين، وإلى الأحياء الذين يُخرسهم “واجب التحفظ” وصمت القبور!
من الطبيعي أن يشيخ جيل الاستقلال على أخبار تضرّ ولا تنفع، فالتقليد الأعمى يكاد يقتلنا “ناقصين عمر”، وواهم من يعتقد أن السير نحو المستقبل لا يستدعي النظر إلى الوراء.. فابكي يا جزائر ابكي!