الرأي

ابن باديس والوهابية(1)

عدة فلاحي
  • 9092
  • 10

لست أدري لماذا يتهم السلفيون كل من يطلق على دعوتهم تسمية الوهابية على أنه يريد الانتقاص منهم والإساءة إليهم بالرغم من أن إعادة إحياء وجودهم كانت على يد الشيخ محمد بن عبد الوهاب وبالتالي ما الضير في التسمية التي تنسب لصاحبها الذي له الفضل في ذلك وهذه التسمية كما هو معروف ليست جديدة الاستعمال، فهذا الشيخ عبد الحميد بن باديس كان يستخدمها في كتاباته وخطبه فها نقول عنه أنه كان يريد الإساءة لأتباعها وهو الذي كان منصفا لها وذكرها بكل خير على أنها جاءت في ظروف قاسية تفشت فيها المنكرات وساد فيه الشرك والضلال وانتشرت البدع والخرافات وبالتالي كانت رسالتها هي إصلاح كل هذه الانحرافات وكل ما فسد وأفسد بعد دهر طويل من الابتعاد عن سيرة السلف الصالح التي هي النجاة والخلاص من هذا كله، ولكن وبالرغم من كل هذه الإيجابيات التي ذكرها ابن باديس إحقاقا للحق كما قال لدرجة أنه هو جماعته قد نسبوا “للوهابية” لم يكن راضيا للأسلوب الذي اتبعته هذه المدرسة فهو يقول “إن الدعوة إلى الحق لا تنجح إلا إذا كانت كما أمر الله تعالى، بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، ولم تكن في الوهابية كفاءة للقيام بتلك الدعوة العظيمة على هاته الطريقة الحكيمة…”

 فهو يجد في دعوتهم الغلظة والقسوة إلى جانب طيش جهالهم بأفعالهم التي تزيد من تنفير الناس منهم وهذا الذي قلته للشيخ فركوس عند حديثي معه الذي كان وديا وأخويا أكرمنا عند زيارتي له بمقر مكتبه بالقبة في مجلسه ببعض الحلويات والمشروبات التي فعلا كانت شهية وطيبة مع ابتسامات كان يوزعها الشيخ فركوس من حين لآخر وبالخصوص لما تصدر مني بعض الاستفسارات المستفزة ربما والتي ما كان يقع في فخها بسهوله ومنها أنني نقلت له بأن الناس يتساءلون حول دوركم السياسي الخفي في البلاد ومن أنكم صناعة مخابراتية؟ فيرد بكل هدوء ودون انفعال مفندا هذه الإشاعات حسب زعمه ومن أنها مجرد ادعاءات يرميهم بها خصومهم والحقيقة أنني توقعت من الرجل رد فعل عنيف مما جعلني أعترف له بالقول “يا شيخ يبدو من لقائي الأولي معك كمحاور لطيف أن المشكلة في الأتباع وليس في الشيوخ” فابتسم مرة أخرى وكان رده “أن الأتباع يتفاوتون في مستوياتهم النفسية والعقلية ولا يمكن أن يكونوا على طبيعة واحدة وأشاطرك الرأي من انهم في حاجة إلى تهذيب”.

لقد حكم علي بعض المتعصبين من المنتسبين للسلفية والذين لهم بيعة للشيخ فركوس من أنني لا أتحرى الصدق والنزاهة في كتاباتي التي تخصهم والواقع أنهم لم يتعودوا على فن النقد كما ذكرت ذلك في موضع سابق وإذا كان النقد الأدبي فنا قائما بذاته وله أصول وقواعد ورجاله ويحظى بالقبول والتدريس في جامعاتنا ومعاهدنا فلقد تأخرنا كثيرا في أن نجعل “النقد الديني” هو كذلك وهذا حتى نتجنب تقديس آراء البشر ونخون أو نكفر كل من يخالفها، فهذا الشيخ عبد الحميد بن باديس رغم الحسنات التي ذكرها حول الدعوة الوهابية، إلا أنه عاب عليهم تعصبهم وضرب لذلك مثلا حينما قال “لا أرى بدا من ذكر مسألة هي أعظم ما أظهروا فيه شدتهم وهي مسألة زيارة القبور ودعاء أهلها والبناء عليها”، ثم يوضح ويرد من أن زيارة القبور مشروعة ولا خلاف عليها بين المسلمين وهي ثابتة في السنة النبوية الشريفة، كما بين الشيخ ابن بايس بأن مسألة شد الرحال لزيارتها قد اختلف فيها قديما، وإذا كان الوهابيون من المانعين فهي مسألة علمية ظنية لا تستوجب تبديعا. أما البناء على القبور والدعاء لغير الله واتخاذ الولي وسيطا فتلك من الأمور التي لم يوافق عليها الشيخ ابن باديس وأشعلت الحرب ضده من طرف الطرقيين الذين حاربوا دعوته الإصلاحية التي جاء بها، لأنها تهدد مصالحهم، وهذا رغم مرونته وعلمه ووطنيته الصادقة التي لا يؤمن بها كثير من أتباع السلفية الوهابية اليوم. 

 

 كاتب وبرلماني سابق

مقالات ذات صلة