اتفاق الدوحة.. الاتفاق المبرمج
أسابيع قليلة كانت المسافة بين اتفاق المصالحة الموقع في القاهرة من قبل مختلف التيارات الفلسطينية، بعد جلسات الحوار الوطني بـ: 22 / 12 / 2011، وسبق ذلك موافقة فريقي الانقسام عليه، حيث باشرت اللجان المتعددة المنبثقة عن تلك الجلسات في عملها، بين غزة، رام الله وعمان.. والإعلان عن التوصل لاتفاق آخر في الدوحة يوم 6 / 2 / 2012 بين الرئيس أبو مازن والسيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، برعاية واحتضان الأمير القطري، مما أثار العديد من الأسئلة الباحثة عن أجوبة، المرتبطة بالجغرافيا السياسية، بهذه النقلة “المفاجئة” في المواقف، من الانحياز القطري الغامض إلى أحد طرفي الصراع الداخلي الفلسطيني، وصولا إلى الطعن بالطرف الآخر على لسان أعلى المستويات.
هكذا يتواصل مسلسل الاتفاقيات الداخلية الفلسطينية، وكما يبدو لن يكون آخرها ما تضمنه بيان القاهرة، الذي صدر عن اجتماع اللجنة القيادية المؤقتة لمنظمة التحرير الفلسطينية يوم 23 / 2 / 2012، وهو الاجتماع الثاني لها منذ الإقرار بها في إعلان القاهرة (شهر مارس 2005) وهي معنية بإعادة تشكيل مؤسسات منظمة التحرير على أسس ديمقراطية.. بالفترة الفاصلة بين هذا الإعلان وبين البيان الأخير ثم التوقيع على العديد من الوثائق والاتفاقيات التي لم تر النور.. وبالذات تلك الاتفاقيات التي أبرمت بعد انقلاب حزيران 2007 في قطاع غزة، كلما جرى التوقيع على إحداها، سرعان ما يسود التفاؤل بالأوساط الشعبية التي تأثر نسيجها الاجتماعي بنتائج الانقسام، بعد فترة وجيزة تعود الأمور إلى مربعها الأول، وإن رافقه شيء من ترطيب المناخات بين الإخوة الفرقاء وهو معطى إيجابي، كالتخلص من الحملات الإعلامية المتبادلة والتي كانت تفقد البوصلة بفترات كثيرة. على أهمية هذا الإنجاز وغيره إلا أنه لم يتم تنفيذ أي من تلك الاتفاقيات، فالفريقان يستبدلان اتفاقا بآخر يحل محله، ولا زال السبب يكمن في الاختلاف على توزيع الحصص، وأحيانا يرتبط التوقيع على بعض الاتفاقيات أو “برمجتها” بتحقيق هدف أو أهداف تكون ضاغطة على هذا الفريق أو ذاك، بفترة زمنية محددة، ولا غرابة أو إحراج أن تجد بعض الأجزاء في رام الله وغزة تتناغم في إثارة مبررات الإفشال، مثلا، حركة حماس تريد ثلاثة حقائب “سيادية” من حكومة اتفاق الدوحة، بطبيعة الحال هناك المسلك السلبي اتجاه أية خطوة وحدوية لما اصطلح على تسميتهم بـ “رجال المصالح”، يضاف إلى ذلك التأثيرات الموضوعية أو المباشرة للعامل الخارجي سواء الإقليمي أو الدولي على الطرفين، وهذا العامل أصبح بالساحة الفلسطينية أمرا “عاديا” وليس “تهمة” له صلة بطبيعة البنية السياسية الاجتماعية الفكرية التي تحدد نمط العلاقات ومستوى انعكاسها على المواقف.
الدوحة مظلّة لمن..
أولا، كما تقول الرواية الإعلامية الفلسطينية فإن السيد أمير قطر قد اتصل هاتفيا بخالد مشعل رئيس حركة حماس ثم بالرئيس الفلسطيني أبو مازن، طالبا حضورهما إلى قطر من أجل “تفعيل” اتفاق المصالحة.. بعد ذلك جرى التوقيع على الاتفاق الجديد برعاية الأمير. من اللافت تبعا لبنوده أنه قد شكل تراجعا مقارنة بالاتفاق الذي سبقه في القاهرة، هذا الأخير حدد مهام ووظيفة الحكومة بثلاث قضايا مفصلية، الأولى تتمثل في إنجاز الانتخابات التشريعية والرئاسية، وكذلك انتخابات أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني “البرلمان”، والثانية إعمار قطاع غزة، أما الثالثة فتوحيد المؤسسات التي أصبحت متناظرة بأسمائها في كل من الضفة والقطاع وليس فروعا تتبع الحكومة المركزية مثلا، وذلك بفعل وجود حكومتين وكيانين لكل منهما “أذرعه” الخاصة به، أما اتفاق الدوحة فقد حدد وظيفة الحكومة في بندين: الأول إعمار قطاع غزة، والثاني الانتخابات.. هنا تم إلغاء الانتخابات الخاصة بالمجلس الوطني الفلسطيني، حيث استعيض عنها “بإعادة تشكيله” دون الإشارة للانتخابات التي بدونها يكون “التشكيل” بالاتفاق على المحاصصة..
ثانيا، من المفترض أن نرحب بأي جهد عربي، إقليمي أو دولي يهدف إلى مساعدة شعبنا في نضاله التحرري العادل، أو قد يساهم بشكل جاد في صيانة وحدته ووحدة أبنائه حتى لو كان ذلك عبر خطوة صغيرة على هذا الطريق.. اتصالا بالاتجاهات السياسية بالمنطقة العربية، والموقف من المخطط الامبريالي الصهيوني الذي يستهدف مصالح شعوبنا.. تتداعى بعض الأسئلة، منها: لماذا هذا المسعى القطري، ما هي أهدافه، لماذا كانت الدوحة بالأمس متهمة بتشجيع فريق ضد آخر، بل كانت متهمة بشكل مباشر بالتحريض ضد السلطة الفلسطينية، ولا زلنا نعيش بعض متروكات المعركة التي خاضتها قناة “الجزيرة” القطرية ضد السلطة في موضوع الوثائق الداخلية المسربة أو المباعة لها، كما كان يقال في أسابيع تلك “المعركة”، بغض النظر عن دقة أو عدم دقة تلك الوثائق، فجأة ترعى الدوحة اتفاق مصالحة ثنائي جديد، هناك شيء تاريخي يؤسس للحاضر، المواقف من القضايا المصيرية لا تكون ارتجالية أو عشوائية، كما لا يمكن التصفيق لها دون فحص، لا نهدف بالتأكيد إلى إجراء عملية تقييم شاملة للمواقع أو للمواقف وأين مجراها، بالتالي أين تصب، لكن لا بد من إشارات توضيحية مختصرة. في سنة حراك الشارع العربي ومسعاه لاستعادة حقوقه وحريته وإنسانيته، بالتالي حقه في الخيار الديمقراطي، حقه في العمل وحقه في التوزيع العادل لثرواته وخيراته التي هي ملكه وليست ملك عائلة أو عشيرة أو مجموعة مهما كانت سطوتها.. مهما تنوعت وتعددت أشكال السرقة ومهما كان نوعها أو حجمها أو تقييمها أو الأشخاص أو الفئة أو الدول التي تتقاسمها فإنها تسمى أيضا سرقة..الخ، كانت هذه السنة مميزة وتاريخية بما حملته من مبادرات وانتفاضات شعبية.. لكنها بالمقابل قد أظهرت أخبث وأوقح طرق الالتفاف أو الإجهاض أو “الاستيعاب” الأمريكية وأدواتها في المنطقة العربية، بوجهة ضمان مصالحها الاستراتيجية الاقتصادية، السياسية والأمنية.. وإسرائيل جزء عضوي من المصالح الأمريكية. لقد حاولت إمارة قطر أن تفرض حضورها بكل الوسائل ضمن هذا السياق وليس خارجه، حيث لبست جلباب الديمقراطية ذات الجيوب المنتفخة، لدرجة فاقت التوقعات، وتجاوزت كافة أشكال حجمها، حيث شاركت “القوات القطرية” بجوار حلف الناتو لدعم “الثورة الليبية” وكانت نتائج هذه الحملة تكسير وتهشيم دولة ليبيا، وسقوط عشرات الآلاف من الضحايا.. إلى آخر ما نراه يوميا في المشهد الليبي.. ثم جرت محاولات لدفع الأمور في اليمن بهذا الاتجاه.. وهناك محاولات جادة من أجل إغراق سوريا في هذه الدوامة أيضا حتى يصار إلى تحييد سوريا على أقل تقدير بزرع المشاغلة الداخلية التي تستنزف قدرات الدولة والمعارضة والشعب.. الخلاصة: نراها تسخّر إمكانياتها المالية من أجل ركوب موجة الحراك الشعبي العربي، للتأثير في مساره وفي نتائجه النهائية وفقا للرغبات الأمريكية، إنه التشويه لصورة هذا الحراك، وإذا لم يكن كذلك لماذا لم نر هذه “النخوة” وهذا “الحرص” على المواطن العربي في مواقع ثانية، حيث تتطلب المصلحة العربية الحقيقية هذا التدخل، لكن هذا التمني بعيد كل البعد عن طبيعة الأشياء، لقد طُبّع موقف الإمارة بالتبعية للمخطط الأمريكي الغربي الذي يستهدف منطقتنا.. إذن فإنها باحتياج إلى تعديل ما لهذه الصورة التي رسمت في ذهن المواطن العربي، عبر خرجات تتناول قضايا مفصلية، من هنا كانت الدعوة التي مهدت للإعلان عن اتفاق الدوحة.
لم يكن فريقا الانقسام أمام طريق إجبارية تؤدي فقد إلى الدوحة، كما كان الحال بالنسبة للقاهرة في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، إضافة لأسباب أخرى.. لذا يتوجب التأكيد على أنه مهما كانت الاهتمامات أو الانشغالات العربية الراهنة الناتجة عن التطورات التي حملها العام الماضي، ومهما بذلت الإدارة الأمريكية من جهود مختلفة من أجل نقل مركز القرار العربي إلى محور أو منطقة أو كيان يكون أكثر إلحاقا بها، فإن ذلك لن ينجح، على الأقل لن يحدث هذا التغيير لدى المواطن العربي، لأن التجربة قد أفشلت مسعى تدجين العقل العربي بمثل هذه الخطوات توطئة لإشاعة التطبيع مع الاحتلال الصهيوني الاستعماري.
كفاية…
بالتأكيد هناك صعوبات وضغوطات جمة يتعرض لها الوضع الفلسطيني، ومما يزيد الطين بلة هو ضعف هذا الجسم بفعل نتائج التمزق الداخلي الذي يترك مجالا لإمكانية حدوث بعض الاختراقات، من جانب آخر ضعف الإمكانيات: لا اقتصاد وطني مستقل، حيث تم تدميره من قبل الاحتلال وسياساته، وما تبقى منه فهو تابع أو خاضع لاتفاقية باريس الاقتصادية المرتبطة بمنحى صفقة أوسلو. إن هذه المعطيات ليست بجديدة، وتحديدا تلك الضغوطات الاقتصادية الخارجية ذات المرامي المتعددة، لكن جهاز المناعة كان قويا ومحصنا، لأنه مسنود بمفاعيل المقاومة بمراحل نهوضها، ومن أجل المحافظة على شيء من قوة المناعة لا يجب أن يكون الموقف الفلسطيني متجولا بين هذه العاصمة وتلك، وليس خاضعا في بعض جوانبه للحسبة الفئوية والإقليمية، إنها المسؤولية الجماعية لجهة البحث عن الحلول والمخارج التي تصون الهيبة الوطنية وقرارها.
ويبدو أن ما يؤشر به نحو السلطة الوطنية باتت تخضع له حركة حماس، المندفعة لإقامة علاقات مبالغ بها وملتبسة سياسيا بتفاصيلها مع الدوحة، في هذا السياق فإن ما يقدم من دعم للحالة الفلسطينية لا ينسجم مع ما هو مطلوب.. ومع ذلك نقول إن هذا الدعم ليس منّة أو صدقة، إنه واجب وضريبة الدفاع التي يقوم بها شعب فلسطين في مواجهة المخطط الصهيوني الاستعماري وأطماعه في المنطقة العربية.. إنه قبل وبعد ذلك دعم من الشعب العربي ومن ثرواته. توضيحا، كما هو معروف نذكّر بهذا التواجد العسكري الأمريكي الكثيف والثابت ودوره الاستراتيجي العسكري، الأمني والسياسي في منطقتنا.
من الممكن تفهم بعض المواقف التكتيكية أو البراغماتية لهذا التنظيم أو ذاك بفترة معينة مع نظام سياسي محدد له وظيفة واضحة في إطار الرؤية الأمريكية الاستعمارية، وهو مسلك قد تفرضه تعقيدات نضالنا الوطني التحرري، لكن أن تتحول العلاقة بالمعنى العملي إلى “شبه تحالف” مما يوفر له مظلة وغطاء سياسي أمام الشارع العربي ليسهل عليه تمرير الممارسات التي لا تخدم مصالح شعوبنا. بل يفترض هنا التوقف من أجل المراجعة، من زاوية إلى أين ذاهبون.. إنه الوفاء لهذا الشعب المستمر في الدفاع عن قضيته الوطنية، عن حقوقه الوطنية، على مدار عقود طويلة بكل ما حملته من عذابات وتضحيات وبطولات، صامدا أمام كل المخططات التصفوية، لم يئن، لم يرفع الراية البيضاء، ملتفا وحاضنا لأبنائه المقاومين، إنه الضمانة الرئيسية لمواصلة النضال التحرري، بالتالي على الجميع أن يتخذ من هذا الشعب نموذجا وقدوة، وأن يعتز به.