اجتماعات بالجملة.. لماذا؟
يُلاحظ المُتتبع في المدة الأخيرة تزايد الاجتماعات بجميع أنواعها (مؤتمرات، جلسات، لقاءات، ندوات، موائد مستديرة، معارض…) جمعت المسيرين، والخبراء والأجانب، وتناولت القطاعات كافة، لم تترك مجالا إلا وتناولته: من الصناعة إلى الفلاحة إلى التجارة والطاقات المتجددة، إلى الثقافة والسينما… ما الفائدة من هذه الاجتماعات؟ هل هي لأجل بناء رؤية استراتيجية للمستقبل؟ هل هي للمساعدة على اتخاذ القرار؟ أم هي للاستعراض الإعلامي بأن شيئا ما يحدث في البلاد من غير حاجة إلى تحقيق نتائج ملموسة وواقعية في الميدان؟
يبدو لي أننا نخطئ في اختيار الأسلوب المناسب لتحقيق التحسين المستمر لواقع بلادنا في مختلف القطاعات والمجالات، من خلال آلية الاجتماعات هذه، ذلك أننا لا نفتقر إلى الحلول ولا إلى الخبراء والباحثين الذين يمتلكون الكثير من البدائل بقدر ما نفتقر إلى الطاقم الكفء والمؤهل الذي يحظى بالمصداقية والشرعية وبإمكانه تجسيد هذه الحلول المختلفة في الميدان ضمن رؤية واضحة وبعيدة المدى.
ماذا تنفع آراء الخبراء الوطنيين والأجانب إذا ما كانت ستقع بين مَن يُسيء فهمها وتنفيذها؟ ماذا تنفع آلاف التوصيات والاقتراحات إذا كانت ستقع بين أيدي آلة بيروقراطية اعتادت على التسيير بطريقتها الفاشلة والفاسدة سنوات عدة دون أن يُحاسبها أحد؟
إن المسألة إذن لا تتعلق بنوعية الحلول، بقدر ما تتعلق بمن سيقوم بتجسيد هذه الحلول على أرض الواقع، وبمدى كفاءته وشرعيته للقيام بذلك.
إذا كان من المقبول أن نُنظم مثل هذه الاجتماعات، بمختلف أنواعها، لتُقدِّم لنا حلولا مبتكرة وجديدة لمختلف المشكلات، ولِتساعد على اتخاذ القرار المناسب، فإنه من غير المقبول أن يبقى القائم على تنفيذ القرار هو نفسه لا يتغيَّر لأسباب معروفة.
فضلا عن هذا، فإننا نُقدِّر أنه بدل الاستثمار في مثل هذه اللقاءات الاستعراضية الإعلامية الاستهلاكية، علينا أن نستثمر في مراكز البحث القائمة في الجامعات أو خارجها ذات الحصة الضئيلة من الميزانيات العمومية باستمرار، وأن نُشجِّع قيام مراكز بحث مستقلة بمهمة الربط بين الأكاديميين والفاعلين في الميدان، كما هو معمول به في البلاد المتقدمة اقتصاديا، فضلا عن تشجيع الباحثين المستقلين في الداخل والخارج… وأجزم أن لدينا من الكفاءات والقدرات ما يكفي لتقديم الحلول الفعالة لمختلف المشكلات، بل لقد قدّمتها في أكثر من مناسبة ولفَّها طي النسيان، ذلك أن المسألة هي بالأساس مرتبطة بنوعية المسيِّرين، من حيث الكفاءة، والقدرة على التسيير، والبعد عن الفساد، وامتلاك الشرعية اللازمة في المناصب التي يتولونها، بعيدا عن كل حسابات ولاء، أو ارتباط بـ”لوبيات” أو أفراد تهمُّهم مصالحهم أكثر مما يهمهم التطوير المستمر للبلاد.
المشكلات في تقديري واضحة، والحلول أيضا، ونحن لسنا في حاجة إلى اجتماعات مهما كان نوعها بل إلى إرادات وكفاءات تقوم بتنفيذ أفضل البدائل (المتوفرة) بتفان وصدق وثقة في المستقبل… هذا ما ينقصنا، ووحده هو الذي بإمكانه الإبقاء على الأمل قائما لدينا.