الرأي

احتفالية الكون وإحيائية عبادة الحبّ

الشروق أونلاين
  • 1309
  • 0

عندما نتتبّع التصوير الفني للقرآن الكريم في رسم الصورة المتكاملة لحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم، ونستلهم من الوحي الإلهي حقيقة الوجود النبوي ندرك كم ينتابنا من الخوف والحياء من التقصير في معرفة هذه الجوهرة التي استنارت بها الحياة، وأشرقت بها زوايا هذاالكون.. فمن أهم اللوحات الفنية القرآنية له صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: ” يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا “(الأحزاب:46.45)..

لقد وصف الله تعالى في كتابه العزيز الشمس بالسراج والقمر بالنور فقال تعالى مثلا:” وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْس سِرَاجاً ” (نوح: 16)، لأن الشمس مضيئةٌ بنفسها مضيئةٌ لغيرها، أما القمر فيستمدّ نوره من غيره ليُشعّ به على غيره، أما نبيُّنا صلى الله عليه وسلم فقد وُصف بهما معا فقال تعالى: ” .. وسراجا منيرا.”، فهو من جهة الخلق ” سراجا ” يفيض عليهم من أنواره الذاتية ما يخرجهم به من الظلمات إلى النّور، ومن جهة الخالق ” منيرا ” يتلقى النّور الإلهي من السماء ليبسطه على الكون فتمتد أشعة أنواره لتصل إلى العالمين جميعا ..      

إنّك لتعجب أنه بمجرد حفظ حديثٍ واحدٍ منه صلى الله عليه وسلم يشعّ منه النور فينعكس ضياءً على الوجه كما قال صلى الله عليه وسلم: ” نظّر الله امرأُ سمع منّا حديثا فحفظه حتى يبلّغه، فرُبّ مبلّغ أحفظ من سامع “، وإنك لتعجب أنّ وجهه صلى الله عليه وسلم كان أجمل من القمر، فقد روى الإمام الترمذي عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلّم في ليلة إضحيان فجعلت أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى القمر، فلرسول الله أحسن من القمر.”، وإنك لتعجب كذلك أنه في لحظة وفاته صلى الله عليه وسلم أظلم فيها الكون كما استنار به عند ولادته، فنقل الحافظ ابن كثير في تفسيره عن ابن عساكر فيما يرويه عن أبي سعيد الخذري رضي الله عنه قال: ” لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كلّ شيء، ولما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم أظلم منها كلّ شيء “، وروى البيهقي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ” لمّا قُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أظلمت المدينة حتى لم ينظر بعضنا إلى بعض، وكان أحدُنا يبسط يده فلم يرها، وما فرغنا من دفنه حتى أنكرنا قلوبنا”، وإنّك لتصدّق أخيرا أنّه الإنسان الذي ليس له ظلّ، لأنّ إشعاعه النّوراني يقهر أشعة الشمس..


*) تفاعل الكون مع جوهرة الوجود:

صُمّت آذان الدنيا إن لم تعلم أنّ نبيّنا صلى الله عليه وسلم قد كان سابقا في وجوده المعرفي والنّوراني: الإنسان الأول، وأنّ معرفة الكون به وصداقته له كانت قبل خلق آدم عليه السلام، روى ابن حبان والإمام أحمد عن العرباض بن سارية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” أنا عبد الله، وخاتم النّبيّين وإن آدم لمنجدلٌ في طينته، وسأنبّئكم بتأويل ذلك: دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى، ورأت أمّي حين وضعتني نورا قد أضاءت منه قصور الشام.”، ولم يكن أمام الأنبياء جميعا إلا أن يتفاعلوا مع هذه الحقيقة ويكون من وظيفتهم ذكر هذا النبي أمام أقوامهم في الوصية الخالدة التي يتوارثونها جميعا، وهو الميثاق والعهد الذي يحفظونه ويمرّرون رسالته إلى الأجيال المتعاقبة قال تعالى: ” وإذ أخذ الله ميثاق النّبيّين لما آتيتكم من كتابٍ وحكمةٍ ثم جاءكم رسولٌ مصدّقٌ لما معكم لتؤمنّن به ولتنصرّنه…”(آل عمران:81)، ذكر الحافظ ابن كثير في تفسيره عن عليٍّ وابن عباس رضي الله عنهما قولهما: ” ما بعث الله نبيًّا من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق: لئن بعث الله محمدا وهو حيٌّ ليؤمنّن به ولينصرنّه، وأمره أن يأخذ على أمّته الميثاق: لئن بعث الله محمدا وهم أحياء ليؤمنّن به ولينصرونه..”، هي وصية الأجيال في لحن الوفاء لهذا النبي، وهو الميثاق الذي تتعاهد عليه البشرية، وهو الطيف الذي يعبر كلَّ الزمان، وهوالعبير الذي يعطّر زوايا الكون، وهو النسيم الذي ينتظره ويتحدث عنه الوجود.. بل إنهم ليعرفونه قبل ولادته وكما يعرفون أبناءهم، قال تعالى: ” الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، وإنّ فريقا منهم ليكتمون الحقّ وهم يعلمون.” (البقرة:146)، هو اليقين العيني والتحقّق العلمي الذي تنكشف به حقيقة الوجود النبوي في كلّ مكان وفي كلّ زمان، وهو النّور الذي تنكشف به أسرار الحياة، قال أحمد شوقي:

يا خير من جاء الوجود تحية …… من مرسلين إلى الهدى بك جاؤوا.

بك بشّر الله السماء فزيّــــنت …… وتضوّعت  مسكا بك الغبــــــــراء. 

يوم يتيه على الزمان صباحه …… ومســــاؤه بمحمد وضّـــــــــــــاء.

فكلُّ الكائنات تتفاعل معه صلى الله عليه وسلّم وتنجذب إليه، وكلّها تعرفه وتسلم عليه، وكلّها تحتفل بوجوده وتفرح به، وكلّها تؤمن به وتذعن إليه إلا عاصي الجن والإنس، روى ابن ماجه والإمام أحمد عن أنس رضي الله عنه قال: جاء جبريل عليه السلام ذات يوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالسٌ حزين قد خُضّب بالدماء قد ضربه بعض أهل مكة، فقال له: ما لَكَ؟ قال: فعل بي هؤلاء وفعلوا. قال: أتحبّ أن أريك آية؟ قال: نعم. فنظر إلى شجرة من وراء الوادي. قال:  أُدْع تلك الشجرة فدعاها فجاءت تمشي حتى قامت بين يديه. قال: قلْ لها فلترجع. فقال لها فرجعت حتى عادت إلى مكانها فقال صلى الله عليه وسلم: حسبي.” وهي من معجزاته الحسية، وهي من باب التسلية عنه وإكرامه والتخفيف عنه صلى الله عليه وسلّم..

ومن تفاعل الكون وانجذاب الخلق إليه صلى الله عليه وسلم ما نطق به الحيوان وما حَنّ إليه  فيما رواه أبو داود عن عبد الله بن جعفر قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلّم حائطا لرجلٍ من الأنصار فإذا فيه جَمل فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم حنّ إليه وذرفت عيناه، فنزل صلى الله عليه وسلم فمسح عليه فسَكَن، وقال: مَن ربّ هذا الجمل؟ فجاء شابٌ من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: ألا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملّكك الله إياها فإنه شكاك إليّ…”، وروى الإمام أحمد والدارمي عن جابر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقوم إلى جذعٍ قبل أن يُجعل له المنبر، فلما جُعل له المنبر حنّ الجذع حتى سمعنا حنينه فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلّم يده عليه فسَكَن..”، وروى الترمذي عن عليٍّ رضي الله عنه قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلّم بمكة فخرجنا في بعض نواحيها فما استقبله جبلٌ ولا شجرٌ إلا وهو يقول: السلام عليك يا رسول الله.”، وفي مسند الإمام أحمد قوله صلى الله عليه وسلّم:               ” .. إنه ليس شيءٌ بين السماء والأرض إلا يعلم أني رسول الله إلا عاصي الجنّ والإنس.”، وعن عاطفة الجماد وتفاعله معه صلى الله عليه وسلّم ما رواه البخاري أنّ النبي صلى الله عليه وسلّم قال عن جبل أُحد: ” أُحد جبلٌ يحبّنا ونحبّه .”. وصدق الشاعر إذ يقول:

أنت الذي حنّ الجماد لعطفه ….. وشكا لك الحيوان يوم رآك. 

والجذع يُسمع بالحنين أنينه ….. وبكاؤه شوقا إلى لقياك.    

ماذا يزيدك مدحنا وثناؤنا ….. والله في القرآن قد زكّاك.   

ماذا يفيد عنك الدَّبُّ وربُّنا ….. سبحانه بعيونه يرعاك .


*) احتفالية الكون بطعم عبادة الحبّ:

أعظم أنواع العبادات: عبادات القلوب، وأعظم هذه العبادات:عبادة الحبّ، كيف لا وهي مفتاح الدخول إلى الجنة كما قال صلى الله عليه وسلّم: ” والذي نفسي بيده لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتى تحابّوا..”، وأقدس أنواع الحبّ في هذا الوجود على الإطلاق: حبُّ الله تعالى وحبُّ رسوله صلى الله عليه وسلّم، بل هما ينابيع حلاوة الإيمان كما قال صلى الله عليه وسلّم :           ” ثلاثٌ مَن كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه مما سواهما ….”، ولن يكتمل إيمان العبد إلا بعبادة الحبّ التي نتفاعل بها وننجذب إليها كقوة الجذب المركزي في هذا الكون إليه صلى الله عليه وسلّم، فقد جاء في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلّم قال: ” لن يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين.”، وهي المحبة الاختيارية المقترنة بالتعظيم والإجلال، وفي روايةٍ عن عمر رضي الله عنه قال: والله يا رسول الله إنك لأحبّ إليَّ من كلّ شيء إلا من نفسي، فقال صلى الله عليه وسلّم: لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحبّ إليك من نفسك، فقال عمر: والله إنك الآن أحبُّ إليّ من نفسي، فقال: الآن يا عمر.”، وأنشد ذلك الشاعر بهذه الاحتفالية بطعم عبادة الحبّ إذ يقول: 

كلُّ القلوبِ إلى الحبيب تميل ….. ومعي بهذا شاهدٌ ودليل.          

أما الدليل إذا ذكرت محمدا ….. صارت دموع العارفين تسيل.  

هذا رسول الله نبراس الهدى ….. هذا لكلٍّ العالمين رسول .

كيف لا يحتفل العالم بمولده صلى الله عليه وسلّم وهو الذي خلّده أسبوعيا بصيام الاثنين كما روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي قتادة قال: سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن صيام يوم الاثنين فقال: ” ذلك يومٌ وُلدت فيه، وفيه أُنزل عليّ.”، كيف لا يفرح العالم بقدومه إلى الوجود وهو الذي تنتظره البشرية جمعاء، وقد ذكر إمام القرّاء الحافظ ابن الجزري في كتابه: ” عُرف التعريف بالمولد النبوي الشريف” أنه ثبت أنّ أبا لهبٍ يُخفّف عنه العذاب كلّ يوم اثنين بإعتاقه لثويبة عندما بشّرته بولادة النبي صلى الله عليه وسلّم وفرحه به، فقال أحد الحفاظ في ذلك:

إذا كان هذا كافرا جاء ذمّه ….. بتبّت يداه في الجحيم مخلّدا.        

أتى أنه في يوم الاثنين دائما ….. يُخفّف عنه للسرور بأحمدا.                

فما الظّن بالعبد الذي كان عمره ….. بأحمد مسرورا ومات موحِّدا.

وقيل أنّ من أسمائه صلى الله عليه وسلّم: فضل الله وهو الرحمة المهداة، ويصدق فيمن يفرح به أن يستجيب لقوله تعالى: ” قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خيرٌ ممّا يجمعون.”(يونس:58)، قال الحافظ بن حجر العسقلاني:” .. وأيّ نعمة أعظم من النّعمة ببروز هذا النبي، نبي الرحمة في ذلك اليوم، وعلى هذا فينبغي أن يُتحرّى اليوم بعينه..”، وهو الذي لم يُقسم بحياة أحدٍ غيره، والتي تبدأ بالمولد الطاهر الشريف، فقال تعالى:” لعمْرُك إنهم لفي سكرتهم يعمهون “(الحجر:72).

إنّ العالم كلّه من عرشه إلى فرشه يحتفل به ويغنّي سمفونية وجوده، وهو الذي يُرفع له ذكره ويتعطّر الكون بمدحه، قال تعالى: ” إنّ الله وملائكته يصلّون على النّبي، يا أيها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليما.” (الأحزاب:56).

فما لي لا يحنّ إليك قلبي ….. وحُلْمي أن أقبّل مقلتيك.     

 وأن ألقاك في يوم المعاذ ….. وينْعم ناظري من وَجْنتيك.

فاللّهم لا تحرمنا حلاوة عبادة حبّه، ولا تحرمنا من رؤيته وشفاعته والدخول إلى الجنة برفقته وتحت لوائه، قال الشاعر:

ومما زادنا شرفا وتِيها … وكِدت أطأُ بأخمصي الثريّا.   

دخولي تحت قولك يا عبادي…. وأن صيّرت لي أحمد نبيّا.

مقالات ذات صلة