احتفال صامت بالمولد النبوي الشريف
اختفت هذا العام الكثير من مظاهر الاحتفالات الصاخبة والمرعبة بالمولد النبوي الشريف، أين كانت الأحياء والطرقات والشوارع والساحات العمومية تتحول إلى ساحات حرب مفتوحة تستعمل فيها مختلف المتفجرات الخطيرة التي تتسبب في عاهات وإصابات يصل تأثيرها للعمى والصمم وبتر الأصابع والحروق، وهو ما تفطن له الأولياء الذين باتوا أكثر خوفا وحرصا على أبنائهم بمنعهم من شراء المفرقعات الخطيرة والاكتفاء بالشموع و”النوالات” والفوانيس وبعض الألعاب الخفيفة..
ساهمت التحذيرات التي أطلقتها وزارة الصحة في رفع وعي المواطنين بضرورة تفادي مخاطر المفرقعات، خاصة وأنها أبرزت أن انفجارها في اليد قد يؤدي إلى فقدان الأصابع، فيما قد يتسبب انفجارها في العين لفقدان البصر بشكل نهائي، الأمر الذي يهدد مستقبل الفرد وقدرته على ممارسة حياته الطبيعية.
كما يمكن أن تخلف هذه المواد حسب الوزارة حروقًا بالغة تصيب الأصابع والذراعين والعينين والوجه، وغالبًا ما تكون من الدرجة الثانية أو الثالثة، مسببة تشوهات يصعب علاجها. وشددت ذات الجهة أن إصابات العين الناجمة عن المفرقعات من أخطر الحوادث، حيث تؤدي إلى رضوض بصرية وتقرحات وحروق وانفجار كرة العين، وهو ما ينجر عنه تعقيدات خطيرة قد تصل إلى العمى الدائم. وأشارت إلى أن الأطفال والمراهقين هم الفئة الأكثر عرضة لهذه الحوادث، بحكم عدم إدراكهم لخطورة هذه الألعاب، داعية الأولياء إلى مراقبتهم وتوعيتهم لتفادي الكوارث..
أولياء يمنعون أبناءهم من الخروج للشارع
كل هذه المخاطر التي تشهد عليها كل مولد مصالح الاستعجالات الطبية، ساهمت في خوف الأولياء على أبنائهم، لدرجة جعلت العديد منهم يمنعون أطفالهم من الخروج إلى الشارع عشية الاحتفالات بالمولد، وهو ما وقفت عليه الشروق ميدانيا في العديد من الأحياء بالعاصمة والتي بدت خالية من الحركة مباشرة بعد صلاة العشاء، أين اكتفى الأطفال بالتواجد على الشرفات، مشعلين الشموع واللعب ببعض الألعاب الخفيفة وهذا حفاظا على سلامتهم.
عائلات تفضل المأكولات التقليدية والتجمع على الشموع
وساهمت المساجد أيضا في رفع وعي الجزائريين، أين نظم أغلب الأئمة دروسا ومواعظ وخطب لحث المصلين على ضرورة تفادي التبذير وتعريض أبنائهم وأنفسهم للخطر في احتفالات المولد، التي يجب أن تكون حسبهم مناسبة للإقتداء بسيرة المصطفى وفرصة لتدريب الأطفال والفتية على أخلاقه وتعريفهم بمواقفه ومآثره، خاصة بعد إجماع العلماء على تحريم المفرقعات لما تسببه من أضرار على صحة الناس جسديا ونفسيا..
كساد كبير في تسويق المفرقعات
بعد الجولة الليلية التي قادتنا للعديد من الأحياء في قلب العاصمة على غرار بلوزداد وأول ماي وبئر خادم والمدنية والمرادية والتي كانت فيها الاحتفالات هادئة نوعا ما مقارنة بالأعوام السابقة، أين كنا نسمع انفجارات طفيفة بين الفينة والأخرى، وجد تجار المفرقعات أنفسهم في حرج وسط الإقبال المحتشم من طرف المواطنين، أين اضطروا إلى البقاء لساعات متأخرة من الليل من دون جدوى، أين كانت طاولات المفرقعات ممتلئة عن آخرها بمختلف أنواع المفجرات، وفي حديثنا مع بعض التجار، أكدوا أن الإقبال هذا العام كان ضعيفا جدا، واكتفت أغلب العائلات بشراء الشموع والفوانيس والعنبر و”النوالات” في حين قاطع الأغلبية مختلف أنواع المفرقعات التي تزداد خطورة من عام لآخر..
وتزامنا مع الرقابة الأمنية الكبيرة في منع تسويق المفرقعات وحجز كميات كبيرة منها، فإنه حتى عرضها في الأسواق هذا العام كان محتشما وضعيفا مقارنة مع السنوات الماضية.
عائلات تجتمع على المأكولات التقليدية
فضلت اغلب العائلات الجزائرية اغتنام المولد النبوي الشريف ككل سنة للاجتماع على مختلف المأكولات التقليدية على غرار الرشتة والشخشوخة والكسكسي، أين تجتمع العائلة الكبيرة المتمثلة في الأحفاد والأجداد والإخوة في أجواء عائلية تزينها الشموع وأطباق الطمينة، وهي فرصة حسب الأئمة في تقوية صلة الرحم وبر الوالدين، يحبذ فيها ذكر مآثر الرسول عليه الصلاة والسلام وذكر الله لتتحول هذه المناسبات العائلية إلى مجالس ذكر تعبر عن القيمة الحقيقية للاحتفالات بالمولد التي يجب أن تعود لمعناها الحقيقي بعيدا عن التبذير وترهيب الآمنين وتشويه أخلاق الإسلام المقرونة بالسلام والمحبة..