ادفع ثمّ توجّع!
كلـّما عاد رمضان الكريم، عادت الحكومة ومعها اتحاد التجار واتحاد الفلاحين وجمعيات حماية المستهلكين، إلى إنشاد نفس الأسطوانة التي يستقبلها الرأي العام في كلّ مرّة بالمختصر المفيد: يا سعدك يا لطرش!
أليس من العيب أن تفشل وزارتا التجارة والفلاحة، في مهمة تقليم أظافر التجار “عديمو الذمة”؟ وأليس من العار أن تـُشبع الحكومة المواطنين “هدرة”، بدل أن تفرض إجراءاتها على “مافيا الأسواق” التي تفرض قانونها في كلّ رمضان برفع الأسعار وإدخال الأيدي إلى جيوب عامة الناس؟
لم تستفد الوزارات الوصية من التجارب السابقة، ولذلك غرقت في التنظير والوعيد والتهديد، وبدل أن تحمي المستهلك من الجشع والمضاربة والندرة والغلاء، فإنها في كلّ سنة تلجأ إلى نفس المنطق المثير للشفقة والعطف والاستفزاز أيضا!
إن “لغة البطون” التي تعود كلما عاد رمضان، لا تليق بنا جميعا، والمسؤولية تتحمّلها أولا الوزارة المكلفة بالمراقبة والردع، وحتى إن كان لما يسمى زورا وبهتانا قانون العرض والطلب، دور في صعود ونزول الأسعار، فإن غياب النية في تغيير واقع الأسواق، وراء هذا “الكلون”!
لم تنجح لا الحكومة ولا الأئمة ولا جمعيات حماية المستهلك ولا “أسواق الرحمة” ولا قفة رمضان، في ليّ ذراع السماسرة ممّن يحكمون قبضتهم خلال شهر الرحمة، ولذلك تعوّد الغلابى على تحمّل الأعباء الاضطرارية كلّ سنة، وفق منظور “ادفع ثمّ توجّع”!
للأسف، ماتت القلوب وعمّ الطمع وفسد الطبع، ولذلك ادفع ثمّ توجّع، والأكيد أنك سترجع، وهذه هي المصيبة، التي جعلت وعود الحكومة تسقط في الماء، وجعلت خطط مختلف الاتحادات في مهبّ الريح، وجعلت أيضا خيار مقاطعة التبضـّع والتجار كمن يضرب الريح بكلخة!
عندما يتحوّل شهر الصيّام والقيّام، إلى فرصة لملء البطون بما لذّ وطاب، وملء الجيوب بدراهم “المشحاح”، وتحرير الأسواق من الرقابة الفعلية، وتفريخ الفوضى ومنطق الأمر الواقع، فمن البديهي أن تلتهب بورصة الأسعار وتفشل المصالح المعنية بتطبيق القانون!
لقد تداول على وزارتي التجارة والفلاحة، وزراء بعدّة ألوان ومفاتيح عمل، لكن ولا واحد من هؤلاء، أفلح في حماية المواطن من غول “اللهيف” و”السطو المقنّن” في رمضان، ولا داعي هنا لتغطية الشمس بالغربال، فالأسواق هزمت الحكومات المتعاقبة وأفلست “الزوالية” وضربت القدرة الشرائية في الصميم.. وعمّرت طبعا “شكارة” الانتهازيين والمستثمرين في كلّ شيء!