ارقد بسلام يا شمعون!
فور وفاة الرئيس الصهيوني الأسبق شمعون بيريز، كتب الصُّحفي البريطاني الشهير روبرت فيسك مقالاً في صحيفة “اندبدنت” سخِر فيه من مقولة “رجل السلام” التي تُطلق على هذا السفاح، وقال إنه بمجرّد علمه بالخبر تذكّر فوراً مجزرة مخيم قانا بجنوب لبنان التي ارتكبها الطيران الصهيوني في عهد رئيس الوزراء بيريز عام 2006 وذهب ضحيتها 106 مدني نصفهم من الأطفال، وتخيّلَ مناظر الدماء والنار وصراخ اللاجئين وجثث الأطفال الممزّقة والمحترقة.
أمّا الرئيس الفلسطيني محمود عباس فقد شارك في الجنازة رفقة مسؤولين من مصر والمغرب والأردن ودول عربية أخرى، ووصف المقبور بأنه “كان شريكاً في صنع سلام الشجعان؟!”، وتبعه وزيرُ الخارجية البحريني، فكتب مغرِّدا على صفحته بتويتر: “ارقد بسلام أيها الرئيس بيريز”، أما الأدهى من ذلك فهو تصريح أيوب قرا، نائب وزير التعاون الإقليمي الصهيوني بأنه التقى بنيويورك زعيما خليجيا وأعلمه بوفاة بيريز فـ”بدأ بالبكاء ولم يهدأ عدّة دقائق”!
أترون إلى أي دركٍ أسفل هوينا؟ هل نسي هؤلاء أن بيريز هو آخرُ شخصيةٍ من جيل مؤسِّسي ما يُسمى “دولة إسرائيل” في فلسطين المحتلة؟ هل نسوا أنه مؤسِّس البرنامج النووي الصهيوني الذي أثمر 250 رأس نووي مُركّبة على صواريخ مصوّبة إلى 250 مدينة عربية وإسلامية آهلة بالسكان؟ هل نسوا أنه أبو الاستيطان الذي ابتلع أجزاء كبيرة من الضفة الغربية ومزّق أوصالها وجعل قيام الدولة الفلسطينية فيها أمراً شبه مستحيل؟
كان على هؤلاء القادة أن يراعوا مشاعر الفلسطينيين و1.5 مليار مسلم، بدل أن يرثوا “رجل السلام” المزعوم، أو يُهرولوا إلى المشاركة في جنازته؛ فقد فرحت الأمة كلها بهلاك هذا السفاح قاتل الأطفال والنساء، إلا بعض قادتهم الذين حزنوا لموته ورَثُوه في تويتر وذرفوا عليه دموعاً ساخنة في نيويورك عوض أن يذرفوها على أطفال غزة المحاصَرين، ونحمد لله أن بقيّة حياء تملّكتهم ومنعتهم من إرغام أئمّتهم على أداء صلاة الغائب على “فقيدهم” والدعاء له بالرحمة ودخول الفردوس الأعلى إلى جانب الأنبياء والشهداء والصدّيقين!
حتى نادي “الروتاري” عندنا فعلها علانية ولم يراعِ شعور 40 مليون جزائري ورثى السفاحَ بيريز، ودعا إلى “أن نرفع أيدينا إلى خالق الكون ليتغمّد روحَه المُحِبّة للخير بواسع الرحمة والغفران”؟! أإلى هذا الحدّ بلغ بنا الهوان؟ ماذا يفعل هذا النادي الماسوني الاستفزازي بين ظهرانينا؟ ولماذا يُمنَح الاعتمادَ ويُسمح له بالنشاط أصلاً؟ وما الذي يمنع السلطة من حلّه وهي التي حلّت تعسّفاً “الجمعية الخيرية الإسلامية” منذ بضع سنين؟!
لقد تغيّر الزمن بـ180 درجة وأصبح السفاح قاتل الأطفال ومغتصِبُ فلسطين “رجلَ سلام” يُرثى وتُذرف لأجله الدموعُ الساخنة ويشارك العربُ في جنازته، في حين يستمرّ الحصارُ الجائر لمليونيْ فلسطيني منذ 10 سنوات ويُجوَّعون ويُذلّون على معبر “أشقائهم” دون أن يجدوا من يرثي لحالهم، أو يذرف عليهم دمعة واحدة، أو يسعى لفكّ الحصار عنهم!
لكم الله أيها الفلسطينيون الشرفاء المظلومون والمرابطون في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس لا يضرّكم من خذلكم أو خالفكم.. لكم كل العزة والمجد، ولعرب الهرولة والذِّلة والمسْكنة كلُّ الخزي والعار.