الرأي

ازدواجيّة الغرب ونفاق بعض حكّام العرب سيّان

بقلم: فريد حاجي
  • 660
  • 1

شابَ في الآونة الأخيرة شيءٌ من الدّهشة لدى الشّارع العربي لسلوك الغرب في هبّته لنصرة الجلاّد وليس الوقوف إلى جانب صاحب الحقّ، لأنّ هذا الشارع عموما كان ينظر إلى هذا الغرب على أنّه الأنموذج الذي يجب الاحتذاء به، بل كثيرا ما تجري على ألسنة هذا الشارع مقولة “أن الغرب لو نطق بالشهادتين لدخل الجنّة قبل المسلمين”. وقد قال الشيخ محمد عبده “وجدتُ إسلاما في الغرب ولم أجد مسلمين”، وهو أحد المنبهرين بحضارة الغرب شأنه شأن “رفاعة الطهطاوي” و”خير الدين التونسي” و”علي عبد الرزاق” و”سلامة موسى” ولطفي السيد” و”طه حسين”…

لكن من يدرس تاريخ الغرب سيجد أنّ موقفه ذاك ليس بالأمر الجديد، بل هو سمة متأصّلة في الشّخصية الغربية، ويقدّمها مفكّرو الغرب في ثوب التفاخر وادّعاء التفوّق؛ فمنذ وقت طويل تحدّث المستشرقون عن تفوّق العقليّة الغربيّة على العقلية العربية الإسلامية؛ كون “… الغرب حقيقة حيّة، أمّا العالمُ الإسلامي، فهو من حيث المبدأ، كون ثابت يسيطر عليه الوحي والسنّة النبوية”.

إنّ الغرب، وطوال القرن 19م وأوائل القرن 20م، لم يتخلّص من المواقف المسبقة الموجّهة ضدّ الإسلام، سواء أكان عِدَاؤُه صريحا مباشرا وعنيفا، أم متّسما بعدم الارتياح تجاه الشعوب العربية والإسلامية. وعلى سبيل التّفاخر، يقول الجنرال لاكريتيل “Lacretelle” (1822-1891م): “… إنّها مبادئ المسيحيّة المسالمة والعادلة والمواتية لتطوّر الإنسان والمجتمعات… وليس مبادئ محمّد، الحربيّة، الجائرة، والرجعيّة، فالذين يؤمنون بها يعيشون في بوتقة ظلاميّة جامدة تتصدّى لتقدّم الحضارة وتمنع التأثيرات الإيجابيّة للتّربية والعلم الغربيّيْن”.

هذا الشّطط من الأحكام لا يعكسها تاريخُهم الدّموي، وأقلُّ ما يقال في هذا المضمار فقدانهم للفطرة الإنسانية، وتشهد على ذلك الحروب التي دارت بينهم ولأهداف دينيّة، وإستراتيجيّة، واستعمارية، ناهيك عن دمويّتهم تجاه الشّعوب الأخرى؛ أثناء احتلال الجزائر، وفيتنام، وجنوب إفريقيا وغيرها… بل، وبالأمس القريب في مدينة “سربرنیتسا” البوسنيّة العام 1995م وفي أفغانستان 2001م وفي العراق 2003م وفي ما يجري اليوم في غزّة… ومن ثمة: أيّ مبادئ مسالمة وعادلة يتشدّقون بها؟ وأيّ أنموذج هذا الذي يقود إلى النهضة التي بناها الغرب على أشلاء الشّعوب ولا يزال؟

وعلى الرغم من أنّ الغرب ليس شيئا واحدا، إلاّ أنّ الموقف الحادّ الذي تشكّل من حضارة العرب والمسلمين -على مسرح التاريخ منذ القرون الوسطى إلى الأندلس، ثمّ الاستعمار لاحقا– جعل العلاقة مضطربة، ومنح الاختلاف والتباين أولويّة على محاولات التواصل والتّعاون. هذا الغرب، ينظر إلى العالم على أسس وقوالب حضارية وثقافية أُحاديّة وجامدة، وليس على محدّدات ديناميّة تعدّدية ومتفاعلة تستطيع أن تنمّي جسور التواصل بعدالة وإنصاف. إنّها رؤية قائمة على تغذيّة النزاع على أسس ثقافيّة حادّة بين الشّرق والغرب؛ إذ يُقدّم الثقافة العربية والإسلامية في صبغة العنف المُستَلهم من الأصول الدينيّة، وهو الذي ينسحب عليه القول المأثور “رمتني بدائها وانسلّت”، وما العدوان على غزّة إلاّ أحد الدلائل التي تُثبت فشله في ضبط مساره الأخلاقي تجاه ما يحدث للآخر غير الغربي، وانحيازه التَّام للجوانب المادّية ومصالحه البراغماتية، ممّا أسقط ادّعاءَه القيمَ والمبادئ والحقوق والحريّات الشخصيّة والفكرية والديمقراطية، التي ظلّ يُسْمِع الأصمَّ بها، والتي كانت مجرّد أقنعة يرتديها.

إنّ منطلق الغرب حين يبحث في شأن الآخر، وجودا وثقافة، يتحوّل بالنّسبة له إلى نوع من البحث عن صداه في الآخر؛ ودراسته لهذا الأخير، لا شأن لها بخصائصه الذّاتية هو، وإنمّا بإعادة إنتاج للغرب، مقابل تهميش الآخر ما دام لم يتخلّص من “أَناهُ”، وبناءً على ذلك تأتي مواقفه تجاه هذا الآخر متجاوزا ما ظلّ يتغنّى به من قيم ومُثل وأخلاق ودين وإنسانيّة، وتلك هي الازدواجيّة في أجلى صُوَرها.

ولمّا كانت تلك هي حقيقة الغرب، فَلِمَ تمسّك بعضُ الحكّام العرب بتلابيبه؟ ذلك ما يدعو إلى الاستغراب من منظور الانتماء إلى أمّةٍ واحدة، ويبدو أنّ هذه الرّوح قد فقدوها مثلما فقد حليفاهما الغرب والكيان إنسانيتهما، وبذلك غدا هؤلاء الحكّام والغرب سيّان، يدّعون بأنّ فلسطين “قضيّتهم المركزية” في الخطاب السياسي، ويعملون سرّا على التّمكين للمشروع الصهيو/ أمريكي لتصفيتها. هذا الصّنفُ من الحكّام بات جزءا من المشروع الصهيوني وأدواته على حدّ قول “عصمت سيف الدولة” أنّ الصهاينة “… فتحوا من جباهنا ثغراتٍ وغزوا عقولنا… اختصروا الطّريق إلى النصر النهائي، فبدلا من احتلال أرضنا جزءا جزءا، بدأوا في احتلال رؤوسنا فكرة فكرة، وبدلا من الاستيلاء على الوطن، يحاولون الاستيلاء على البشر، ليكون الوطن لهم بعد ذلك من دون حاجةٍ إلى القهر”.

وقد استشرف “المسيري” منذ زمن هذه الّلحظة العربيّة المعتلّة والمريرة، حين قال: “… ستأتي مرحلة يلعب فيها المسلمُ دور اليهودي، والذين سيمثّلون دولة الكيان خيرَ تمثيل، وهذا اليهوديُّ الجديد أو اليهودي الوظيفي، سيأتي وسيصلّي العشاء مع المسلمين جماعة، لكنّه، في الوقت نفسه، سيقوم بالمَهمّة التي كان يقوم به الجنرال اليهودي”.

لقد كان موقف هؤلاء الحكّام متماهيّا مع السرديّة الصهيونية في توصيف ما يجري في غزّة على أنّه مجرّد “صراع بين الكيان وحماس”، واعتبار هذه الأخيرة المتسبّب في جلب الويلات إلى غزّة، وكأنّ مقاومة الاحتلال بدأت في 7/10، وليس منذ أن استوطن الكيان أرض فلسطين رسميّا في العام 1948. وحين وصف وزيرُ دفاع الكيان المقاومين الفلسطينيين بالحيوانات البشرية –وهو يقصد في الحقيقة العرب والمسلمين عامّة، وهي الصورة النمطية للغرب تجاههم- ونزع عنهم صفة الإنسانيّة والآدميّة، كان مقدّمة لممارسة عمليّة تطهير وقتل جماعي، ومع ذلك، لم نَسمعَ –في حدود معلوماتنا- إدانة لهذا الشتم من قبل الحكّام، بل اشتكى بعضهم لوزير خارجية أمريكا بأنّ ذلك سيحرجهم أمام شعوبهم!؟

إنّ الغرب لم يُخف منذ الّلحظة الأولى وقوفه الصّريح إلى جانب الكيان وحمايته، وتعالى عن ما يسمّى القانون الدولي –الذي سَنَّهُ بنفسه– وداس على شِرعة حقوق الإنسان عندما تعلّق الأمر بالكيان.

هكذا يمارس الغرب ازدواجيته بكلّ وضوح، لكنّ بعض حكّام العرب يقلّدونه في ذلك بشكل آخر، وهو النفاق والرياء؛ يتظاهرون بشيء أمام شعوبهم، ويعملون لحماية مشروع الكيان من الانهيار، ينتقدون سياسة أمريكا في العلن –بمقدار ما تسمح به- ويتحالفون معها حتّى النخاع ضدّ بني جلدتهم. هذا النفاق والرياء لبعض الحكّام له سياق طويل، فمنذ زمن يتنافسون على نيل الحضوة لدى أمريكا، كون ذلك مدخلا مهمًّا يعزِّز حضورهم لديها. وقد حدّدت لهم محورها الثّابت وهو التحالف مع “الكيان” لمواجهة إيران، ومن محطّاته المهمّة مؤتمر “وارسو” المنعقد في 13/02/2019م. وكنتيجة لذلك –وغيره- أصبح الكيان يتمتّع ببيئة إستراتيجيّة مريحة خاصّة في عهد “ترامب” حتّى جاء اليوم المشهود وانقلبت الطاولة على الجميع، فجُنّ جنون الكيان والغرب عموما ومن ورائهما هؤلاء الحكّام.

إنّ المطبّعين بخاصّة، وفي إطار تسويغهم لخطواتهم، اسْتعدَوا الفلسطينيين، وسعوا إلى تشويههم، بدءًا من مزاعم بيع أراضيهم في الماضي، واتّهامهم بالمتاجرة بقضيّتهم، وتحميلهم مسؤوليّة أوضاعهم الحالية، وليس مسؤولية الاحتلال الصهيوني، بل حتّى اتّهام أطياف منهم بالإرهاب والتبعيّة للخارج. ولعلّ ما يؤكّد رياءهم ونفاقهم، هو ما جاء على لسان “دينيس روس” الدبلوماسي الأمريكي اليهودي، إذ قال في 27/10/2023: “…إنّها رغبة قادة عرب، وليس فقط إسرائيل والولايات المتحدة… عندما تحدثتُ مع مسؤولين عرب في أنحاء مختلفة من المنطقة -أعرفهم منذ فترة طويلة- قال لي كلّ واحد منهم: لا بدّ من تدمير حماس… فإنّ ذلك سيضفي الشّرعية على أيديولوجية الرّفض التي تتبنّاها الجماعة، ويعطي نفوذا وزخمًا لإيران والمتعاونين معها، ويضع حكوماتهم في موقف دفاعي… صرّحوا بموقفهم على انفراد بينما مواقفُهم العلنيّة على خلاف ذلك؛ لأنّهم يدركون أنّه مع استمرار انتقام إسرائيل وتزايد الخسائر والمعاناة الفلسطينية، فإنّ مواطنيهم سوف يغضبون… لذا فأولئك الزعماء يحتاجون إلى أن يُنظَر إليهم على أنّهم يدافعون عن الفلسطينيين، على الأقل خطابيًّا”.

قال “هاريل شوريف” الباحث الصهيوني في جامعة تل أبيب: “… كنتُ أتحدّث إلى مسؤول في السلطة الفلسطينية، وكانت رسالتهم لي واضحة “تدميرهم.. هذه المرّة يجب على إسرائيل تدمير حماس، وإلّا انتهينا”، بالطبع، هم علنًا يدينون إسرائيل». وبالفعل، عبارة “تدمير حماس” لا تغيب عن لسان “نتنياهو” وجعلها أولى أهدافه من العدوان على غزّة. لذلك، لا أحد منهم يشير إلى “حماس” وحقّها في مقاومة الاحتلال من أجل التحرّر، بل يلوكون –كما تلوك أمريكا- عبارة “إدخال المساعدات إلى سكّان غزّة”.

بدوره، قال “هاريل شوريف” الباحث الصهيوني في جامعة تل أبيب: “… كنتُ أتحدّث إلى مسؤول في السلطة الفلسطينية، وكانت رسالتهم لي واضحة “تدميرهم.. هذه المرّة يجب على إسرائيل تدمير حماس، وإلّا انتهينا”، بالطبع، هم علنًا يدينون إسرائيل». وبالفعل، عبارة “تدمير حماس” لا تغيب عن لسان “نتنياهو” وجعلها أولى أهدافه من العدوان على غزّة. لذلك، لا أحد منهم يشير إلى “حماس” وحقّها في مقاومة الاحتلال من أجل التحرّر، بل يلوكون –كما تلوك أمريكا- عبارة “إدخال المساعدات إلى سكّان غزّة”.

لسنا ندري لِمَ كل هذا الحقد تجاه جزءٍ من شعب فلسطين ذنبه الوحيد هو إيمانه بأنّ المقاومة المسلّحة هي السبيل إلى تحقيق مشروع التحرير بعد فشل عمليّة أوسلو، وتعنّت الكيان؟ والسؤال: هل مرّد ذلك مرجعية حماس، أم أنّ هؤلاء القوم باتوا يرون في القضية الفلسطينية عبئًا وصُداعا يجب إنهاء ملفّها بأيّ شكل كان؟

 أخيرا، إذا كانت ازدواجية الغرب مستساغة، ولن تتغيّر مصداقا لقوله تعالى “لن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتىّ تتّبع ملّتهم”، فإنّ ظلم ذوي القربى أشدّ مضاضة، وهو أمرٌ مدهشٌ، صادم، ومحزن، ويا ليْتَهم تحلّوا بجرأة الغرب في موقفه، خير لهم من نفاقهم المقزّز؛ ومصير المنافقين كما ورد في القرآن الكريم- في الدرك الأسفل من النار، لأنهم يظهرون غير ما يبطنون، ومن ثمّ، فهم والحالة كـ”الأعراب أشدّ النّاس ظلما ونفاقا”.

للمقال مراجع.

مقالات ذات صلة