استشراف بالزمياطي!
وزيرة التربية قالت أمس بالفم المليان: “لا يُمكن توقع نسبة النجاح في البكالوريا”، وحتى إن كان بالإمكان إدراج هذا التصريح في خانة “الشفافية” وعدم التدخل والابتعاد عن الضغط وتسييس النتائج واستباق الأمور، وأيضا عدم التعامل مع هكذا قضية بمنطق “ضرب خط الرمل”، فإن التصريح يعطي الانطباع أن لا استشراف ولا هم يحزنون!
الاستشراف، وليس في وزارة التربية فقط، هو علم من العلوم الدقيقة، وهو ليس مثل “الزمياطي”، والاستشراف في التربية وقطاعات أخرى كالاقتصاد والمالية والفلاحة والسكن والتعليم العالي والصناعة، وغيرها، لا يتم بأيّ شكل من الأشكال على طريقة تنبؤات مصالح الأرصاد الجوية!
لو كان هناك استشراف في الفلاحة والتجارة والمالية، لما “أذلـّنا” البترول وجعلنا رهينة للبراميل التي تدخل وتخرج وتسيل في التراب، ولما لجأنا مكرهين، مضطرين غير مخيّرين إلى ما سمّي بالتقشف ومحاربة التبذير، الخيار الذي يعني في ما يعنيه، أننا كنا نعيش بالتبذير عندما كان النفط بـ”شلاغمو”!
بإمكان وزارة التربية أن تتنبّأ بنتائج البكالوريا و”السانكيام” و”البيام”، ومعدلات الفصول، قبل الامتحانات، لو أن الوزارة من خلال مديرياتها ومديري المدارس والأساتذة وجمعيات الأولياء، وحقيقة مستوى التلاميذ، ومؤهلاتهم العلمية والتربوية والبيداغوجية!
لو استشرفت وزارة السكن مثلا، قبل أن تقع الفأس على الرأس، وذلك منذ أكثر من 50 سنة، أو بالأحرى منذ الاستقلال، لما تحوّل ملف الإسكان إلى قنبلة موقوتة، يهدد بتفجيرها في كلّ كرّة، سوء التوزيع والاحتجاجات والوساطات غير القانونية، والاستفادات المتعدّدة، والتأخر في الإنجاز وسوء إتمام المشاريع، واعتماد “الباكلاج” و”البريكولاج” وأحيانا “الصابوطاج”!
هل تعتقدون أنه لو استشرفت وزارة الفلاحة الوضعية الزراعية التي نواجهها اليوم، حيث تم “تقنين” زحف “البيطون” على الأراضي الفلاحية، وقلت المزارع النموذجية، وتتفيه الفلاح، ووأد المستثمرات، هل كنا سنصل إلى الحديث عن سعر البطاطا و”اللفت” و”القرعة” كلما عاد رمضان، ويتحوّل الكبش إلى “مشروع” كلما عاد عيد الأضحى!
لو تنبّأت وزارة الصناعة بسوق السيارات الجديدة و”الخردة” وتلك المستوردة، لما تضخمت الأسعار بطريقة لم تحدث في أيّ بلد، ولما اندلعت شرارة “خليها تصدّي” وتحوّلت إلى حملة ضربت المنافسة والثقة بين البائع والمشتري، ونشرت العداوة بين الشركاء والزبائن!
لعلّ أوّل قطاع مرغم على الاستشراف والتنبّؤ والتوقّع، قبل حدوث الشيء، هو وزارة التربية، قبل مطالبة القطاعات الأخرى بذلك، ومن البكالوريا تبدأ الحكاية وتنتهي، لكن نفض هذه الوزارة ليديها من العملية، سيجعل من كلّ شيء بـ”الأببري” من أجل لا شيء!