الرأي

استغراب “الاستشراق” و”الاستعراب”

عمار يزلي
  • 62
  • 0

قبل نحو أربع سنوات، كان لي الشرف أن انضممت إلى فريق بحث دولي من أجل إنجاز الموسوعة القطرية حول “الاستغراب”، التي أصدرت المجلدات الأربعة منها قبل نحو عامين عن جامعة قطر، وكان السؤال وقتها يدور حول مسألة “الاستغراب” من “الاستشراق”، ليس كتوجُّه ثقافي معرفي فلسفي ميز القرنين الـ19 والـ20، في غمرة ضعف الشرق وبداية هيمنة الغرب، بل كمساءلة تاريخية وفكرية عن سبب عدم معرفتنا كثيرا كشرقيين ومشارقة، عن الغرب الذي يعرف عنا الكثير، فيما نجهل عنه نحن الأكثر. كان هذا هو المنطلق لبداية ورشة ضخمة في محاولة معرفة طريقة تفكير الغرب، كما حاولوا وعملوا هم عليه سابقا وحاليا، عن العقل المشرقي العربي وغير العربي.

أهم ما ميز حركة الاستشراق، هو اندفاع الغرب نحو الاحتلال والاستعمار ثم الهيمنة على الشرق، منذ بداية عصر النهضة الأوروبي، لاسيما بعد الموجات الصليبية الأولى إلى الرابعة وحتى ما بعدها. غير أن هذا المد سيقوى أكثر مع ظهور الآلة وبروز الرأسمالية في الغرب مع بروز المجتمع الصناعي. كان هذا في الوقت الذي كان الشرق لا يزال يعيش مرحلة الصناعة الحِرَفية شبه التقليدية، وإن كانت “ثقافة الصناعة” قد ظهرت في أكثر من بلد شرقي، من الصين إلى القوقاز إلى المشرق العربي والحضارة الإسلامية في الأندلس.

بعد هذا، بدأ أفول نجم الفتوحات والتوسع الذي شهده العالم الإسلامي، خاصة مع انقباض حدود الإمبراطورية العثمانية بداية القرن الـ20.

القرن الـ18 والـ19 ثم بداية القرن الـ20، كان بداية لحركة “الاستشراق” و”الاستعراب” مع “هاميلتون جيب” و”لويس ماسينيون” و”الأب لامانس” ثم البقية. كان هذا بداية التغلغل الداخلي لفتح المغلق في سر الفاتحين المسلمين والعرب، ثقافة وفكرا ودينا وتراثا: اهتمام ضخم بالمؤلفين والملفات العربية والإسلامية والشرقية، لاسيما الديانات الشرقية من البوذية إلى الهندوسية إلى المانوية فالثقافة الفارسية والديانات التوحيدية والوثنية وما بينهما من مجوسية وصابئة وثقافات عرقية ومِلل ونِحل، حاول المستعربون والمستشرقون فك شيفراتها والاهتمام بتراثها المادي وغير المادي. الهدف، معرفة طريقة تفكير المشرقي والرجل الشرقي والتشكيك في عقيدته وكتبه ومعتقداته وتفكيره، ليسهل التحكم فيه وتوجيهه عبر المعرفة وفهم طبيعته الذهنية الثقافية والفكرية. كان الفكر الإسلامي بشكل عامّ، من القرآن والسنة والفقه واللغة العربية، جوهر هذا الاهتمام “الزائد عن اللزوم”. كان هذا مصاحبا تماما للتحول الغربي مع بداية المد الصناعي المادي الرأسمالي الذي طور آليات التوسع الرأسمالي عبر محيط الغرب الأوروبي جنوبا وشرقا وغربا باتجاه الأراضي المكتشفة الجديدة.

أهم ما اشتهر به الفكر الاستشراق من نتائج بحثية، أن الشرق اختص بالإنتاج الفكري الروحي، وهذا سبب تخلفه فيما اختص الغرب بالإنتاج المادي وهو جوهر تطوره: استنتاج يحمل في طياته مغالطة بنيت على حقيقة: انتشار الفكر الوحي الديني في الشرق من الصين وآسيا الوسطى إلى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، كان حقيقة، لكن هذا لم يكن من دون إنتاج مادي، بل بشكل متوازي ومن دون عداء أحدهما للآخر، فيما حدث العكس في الغرب وأوروبا وفرنسا تحديدا، لاسيما بعد الثورة الصناعة و”منجزات” “كومونة باريس”: لقد نما الغرب ماديا دون أن يطور نفسه روحيا، وحتى لما تبنى المسيحية منذ الإمبراطور الروماني قسطنطين الأول، تبناها على أساس أنها حاملة ورافعة للواجهة الاستعمارية.

اليوم، والشرق والمشرق له من المقومات اللغوية والفكرية ما يسمح له بفهم أعمق للغرب، يبدو أننا بحاجة أكثر إلى من يقلب المعادلة: من الاستشراق إلى الاستغراب.

مقالات ذات صلة