استنفار دبلوماسي نحو الجزائر وفرنسا خارج الأجندة
تحولت الجزائر مع اشتداد الحرب الروسية الأوكرانية إلى محطة لسباق دبلوماسي بين الشرق والغرب، ميزه الإنزال الدبلوماسي النوعي، والذي سيتعزز الأسبوع المقبل، بزيارة كاتب الدولة الأمريكي للشؤون الخارجية، أنطوني بلينكن.
خلافات عميقة مع باريس تهدد بإلغاء زيارة الوزير الأول الفرنسي
هذا الحراك الدبلوماسي بدأ منذ أيام بزيارة وزير الخارجية الإيطالي، لويجي دي مايو، إلى الجزائر، والاتصال الذي قام به رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز بالرئيس تبون قبل اندلاع الأزمة بين البلدين، ثم زيارة نائب وزير الخارجية الأمريكي، ويندي شيرمن، فزيارة وزير الخارجية البرتغالي، أوجاستو سانتوش سيلفا، وانتهاء بزيارة ديمتري شوڨاييف، مدير المصلحة الفدرالية للتعاون العسكري والتقني لفدرالية روسيا.
وقبل ذلك، كان وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج، رمطان لعمامرة، قد زار جمهورية الصين الشعبية، من 19 إلى 21 مارس، وعاد من هناك معززا الموقف الجزائري، بانتقاد بكين للخطوة الإسبانية، التي انحرفت بموقفها الأخير بشأن قضية الصحراء الغربية، عند ما راحت تدعم طرح نظام المخزن المغربي في هذا النزاع.
وتيرة الزيارات من وإلى الجزائر، كانت ستتعزز لولا التأجيل الذي كان متوقعا لزيارة الوزير الأول الفرنسي، جون كاستاكس، إلى الجزائر، والتي كانت مقررة يومي 23 و24 مارس الجاري، وفق ما أعلن عنه قصر الإيليزي في وقت سابق.
المعلومات التي بحوزة “الشروق” حول زيارة المسؤول الفرنسي، تشير إلى أنه تم تأجيلها إلى الأسبوع الداخل، وبالضبط يومي 28 و29 مارس (بتحفظ)، غير أن احتمالات إلغائها لا تزال حاضرة وبقوة، والسبب خلافات عميقة بين الجزائر وباريس حول عديد الملفات، وعلى رأسها ملف تنقل الأشخاص، أي التأشيرات، وهي القضية التي كانت السلطات الفرنسية قد فجرتها في سبتمبر المنصرم عندما قررت من جانب واحد تخفيضها إلى النصف بالنسبة للجزائريين، علما أن زيارة الوزير الأول الفرنسي تأجلت للمرة الثانية بعد ما كانت مقررة قبل سنة من الآن، وهو ما يؤكد أن العلاقات الثنائية تعاني من أزمات صعب تجاوزها لحد الآن.
ما هو مؤكد، هو أن تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية حاضرة بقوة في هذه الحركية الدبلوماسية، ولاسيما تلك المتعلقة بقطاع الطاقة، الذي يشهد أزمة حقيقية باتت تهدد الاقتصاد العالمي، أدت إلى وصول أسعار النفط والغاز إلى مستويات قياسية لم تبلغها منذ أزيد من 14 سنة.
فالجزائر وبحكم علاقتها القوية بالحليف الاستراتيجي الروسي، وامتلاكها علاقات مستقرة مع الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، يتعين عليها انتهاج دبلوماسية جد حذرة، تحول دون “خيانة” الحليف الروسي، ولكن أيضا دون خسارة المعسكر الغربي وعلى رأسه الولايات المتحدة، التي تحاول سحب الدول المحايدة في النزاع الروسي الأوكراني، إلى جانب المعسكر المناوئ لروسيا.
ولأول مرة في تاريخ العلاقات الجزائرية الأمريكية، يزور مسؤول أمريكي في مستوى وزير الخارجية ونائبه، الجزائر في ظرف أقل من أسبوعين، ما يعني أن هناك ملفات ثقيلة عجزت ويندي شيرمن، وهي نائب أنتوني بلينكن، عن الوصول بشأنها إلى وفاق مع السلطات الجزائرية.
غير أن متابعين لهذه الزيارة وكذا تحاليل المختصين، أكدوا أن المسؤولة الأمريكية جاءت إلى الجزائر موفدة من جو بايدن، لبحث الدور الذي يمكن أن تلعبه الجزائر في الإستراتيجية الأمريكية الأوروبية لتطويق الاعتماد الأوروبي على الغاز الروسي، وذلك يقينا من المسؤولين في واشنطن بأن الجزائر دولة محورية في الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، ليس في مجال الطاقة فحسب، ومن ثم فأي مشروع يمكن إطلاقه ولا تشرك فيه الجزائر كطرف فاعل، فسيكون نجاحه محل شكوك.
ما قالته ويندي شيرمن خلال زيارتها للجزائر واستقبالها من قبل مسؤولين كبار، وعلى رأسهم الرئيس عبد المجيد تبون لا يتعدى التأكيد على أن “علاقة الولايات المتحدة الأمريكية بالجزائر واسعة وعميقة ونتطلع إلى مواصلة تعميق تعاوننا”، وعبرت عن استعداد بلادها للتعاون مع الجزائر في المجالات الاقتصادية والطاقة النظيفة والأمن، وقطاعات أخرى لم تأت على ذكرها.
وضجت وسائل الإعلام الغربية على مدار الأسبوع المنصرم، بعد التحول المثير للموقف الإسباني من القضية، بأخبار وتحاليل تحدثت عن رغبة الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين في عدول الجزائر عن قرارها بغلق أنبوب الغاز المغاربي الأوروبي الذي يربط الجزائر بإسبانيا على التراب المغربي، والذي أصبح خارج الخدمة منذ نهاية أكتوبر المنصرم، بهدف التقليل من حجم الاعتماد على الغاز الروسي، غير أن المقاربة الأقرب إلى التصديق، هي أن الجزائر غير مستعدة للعودة عن ذلك القرار، ولاسيما بعد أن أصبحت إسبانيا والمغرب في معسكر واحد تقريبا.