-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

اضطراب الاكتناز.. هوس المطلقين والمصدومين عاطفيا

ليلى حفيظ
  • 1085
  • 0
اضطراب الاكتناز.. هوس المطلقين والمصدومين عاطفيا

نميل جميعنا إلى الاحتفاظ ببعض أشيائنا القديمة، بالنظر إلى ما تحمله من قيمة مادية أو معنوية. لكن، وكأي سلوك بشري، إذا زاد ذلك عن حده، انقلب إلى ما يسمى بهوس الاكتناز، أو اضطراب التخزين وتكديس المقتنيات القديمة، الذي يجعل صاحبه مهووسا بجمع الكثير من الأشياء، بطريقة فوضوية، ودون حاجته الفعلية إلى استعمالها لاحقا، ما قد يضعه في مواقف ومشاكل اجتماعية عديدة، قد تصل به إلى الموت تحت كومة تلك الخردوات. وهو الاضطراب الذي يُصيب الأشخاص الذين تعرضوا لصدمات عاطفية، كالطلاق أو فقدان شخص عزيز.. فما المقصود بهوس الاكتناز؟ وما أعراضه؟ وكيف يتم علاجه؟ الإجابات يحملها هذا الموضوع.

وهبت أطفالها وانشغلت بتكديس الألعاب

كانت لجدتي جارة، لطالما استغربت حينما كانت تُرسلني إلى منزلها، من كمّ وأكوام لعب الأطفال المُكدّسة والمتناثرة في كل أرجائه.. وما كان يزيد استغرابي، أنها أرملة، وتعيش وحيدة، بعدما وهبت طفليها لعائلة غنية، لكونها عجزت ماديا ومعنويا عن تربيتهما. وانشغلت بدل ذلك بالتنقل من “زنقة لزنقة ومن دار لدار”، دون هدف معين أو غاية محددة.. وبعد مُضي السنين، أدركتُ أن المسكينة كانت تشكو من اضطراب يسمى بهوس الاكتناز، الذي تُعرّفه الأخصائية النفسية، فاطمة الزهراء مروك، بأنه: “ظاهرة سلوكية، يميل فيها المصاب إلى تخزين الأشياء والمُقتنيات غير الهامة وتكديسها،كالعلب الفارغة والكتب والكراريس القديمة إلخ.. وعدم القدرة على التخلص منها. كما تخلق محاولات التخلي عن تلك الممتلكات القديمة معاناة كبيرة لدى هؤلاء الأشخاص. وذلك، بسبب الشعور المستمر بالحاجة إلى حفظها واستخدامها لاحقا. لهذا، يجدون صعوبة مستمرة في التخلص من الأشياء والرغبة في الاحتفاظ بها، من أجل تجنب المشاعر السلبية المرتبطة بالتخلص منها، ما يؤدي إلى تراكمها وخلق فوضى في المنزل ومساحات المعيشة، بحيث لا يمكن استخدامها إلا لتخزين العناصر المُكدّسة. فمثلا، يمكن أن تملأ أكوام من الصحف والجرائد المطبخ، بحيث لا يمكن استخدامه للطهي.”

وتُنبّه محدثتنا إلى ضرورة عدم الخلط بين الاكتناز القهري، وهواية جمع الأشياء، كالطوابع البريدية والتحف الفنية، التي تتم بطريقة منظمة وموجهة. أما اضطراب التخزين، فيعد أمرا اندفاعيا إلى حد كبير، ويتم بطريقة فوضوية وغير منظمة.”

عانس عجوز تخزن ملابس رضع مُهترئة

لقد كشفت الدراسات أن معدلات الإصابة بهوس التخزين تزيد لدى الأشخاص الأكبر من 60 سنة. ومن أمثال هؤلاء عجوز سبعينية، عايشت حالتها الاستشارية الأسرية عتيقة نابتي، في إطار عملها بالمساعدة الاجتماعية. فقد تفاجأت، كما تقول: “عند دخول منزلها، بأكوام من الملابس القديمة تملأ المكان وتُعيق الحركة بداخله. لقد كانت ثياب رُضع ورجال مهترئة جدا، تقوم بغسلها أحيانا ثم تُعاود الاحتفاظ بها، منها ما كان للمرحوم والدها. والعجيب، أنها لم تتزوج في حياتها، وتعيش وحيدة بذلك المكان، الذي يشبه المفرغة العمومية.”

ونفس الحالة تقريبا، حدثتنا عنها السيدة ابتسام، التي تُجاورُها عجوز في الستينيات من عمرها، مهووسة بجمع وتخزين علب الكرتون بجميع أحجامها، إضافة إلى أكياس الشيبس وشرائط مشروب فلاش التي تربطها بسياج منزلها الذي تحول إلى مزبلة.”

قياسا على ما ذكرناه من حالات، يمكننا اعتبار الوحدة كسبب مشترك في هوسهن بالاكتناز، إلا أن الأستاذة مروك تؤكد أن أسباب اضطراب التخزين غير معروفة تماما، ولكن، قد تلعب الوراثة دورا في احتمال الإصابة به، إضافة إلى أحداث الحياة الضاغطة والصدمات العاطفية الناجمة مثلا عن الطلاق أو وفاة شخص عزيز، التي قد تؤدي إلى تفاقم أعراض الاكتناز القهري.”

موت تحت الخردوات وحرائق وعزلة

قد يستهين البعض بتداعيات هوس الاكتناز، ويعتقدون أنها تقتصر على الفوضى الناتجة في مكان التكديس. في حين، إن مضاعفاته قد تكون خطيرة، فاضطراب التخزين، كما تقول الدكتورة مروك: “يمكن أن يخلق لصاحبه مشاكل في العلاقات والأنشطة الاجتماعية، فيميل إلى العزلة ويتحرج من دخول الآخرين إلى منزله، الغارق في الفوضى، إضافة إلى مخاطر متعلقة بالصحة والسلامة، كنشوب الحرائق في تلك الأكوام المكدسة أو سقوطها فوق صاحبها، ما قد يؤدي إلى وفاته. زيادة على الضغوط والصراعات العائلية مع الشريك الزوجي، الرافض لتجميع تلك الخردوات وما ينتج عنه من عدم القدرة على أداء المهام اليومية، مثل الطهي والاستحمام.”

العلاج ممكن لحياة أكثر أمانا وإمتاعا

ولحياة أكثر أمانا وإمتاعا، يمكن للمصابين بهوس الاكتناز الخضوع لجلسات العلاج النفسي، الذي يُعتبر فعالا لتحسين هذه الاضطرابات. تقول الدكتورة مروك، مُستشهدة بحالة لرجل ميكانيكي خمسيني، يدعى (س. ي)، قصد عيادتها بسبب هوسه بجمع وتخزين أشياء مختلفة بطريقة غير منظمة في منزله، كالحجارة والأوراق، وقطع غيار السيارات التالفة.. وخلال جلسات العلاج التي بدا فيها هادئا ومدركا، ومتماسكا، دون وجود أي عرض ذُهاني، أوضح أنه يشعر بالقلق عندما يعمد شخص آخر إلى التخلص من تلك المقتنيات. وفي خطة العلاج، تمّ الاعتماد على التثقيف النفسي، مع إعادة الهيكلة المعرفية والتعريض لتجاهل الأشياء المهملة، إضافة إلى العلاج الدوائي. وبعد تسعة أشهر، تمكن السيد (س. ي) من بيع تلك الحاجيات والتخلص من الخردوات التي كان يكتنزها.”

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!