الأرامل في الجزائر… تهميش وفقر واستغلال جسدي
تشير الإحصائيات الرسمية لوكالة التنمية الاجتماعية، التي تنشط تحت وصاية وزارة التضامن الوطني والأسرة إلى وجود 27440 ربة عائلة بدون دخل، تم التكفل بهن من بينهن أرامل يعشن واقع مرير، فبين ليلة وضحاها وصل إلى مسامعهن خبر وفاة المعيل الوحيد للعائلة “الزوج”، غادر الحياة دون سابق إنذار، لم يترك لهن أية منحة أو معاشا أو دخلا شهريا، يعليهن رفقة فلذات أكبادهن.
لم يكن أمامنا خيار سوى تقمص دور المساعدة الاجتماعية، لنتحدث إلى بعض الأرامل اللواتي كشفن عن قصص مثيرة بطلاقة، تلك كانت الخرجة الميدانية التي قامت بها”الشروق” عن أرامل يعانين من التهميش، الفقر، البطالة، والاستغلال الجسدي، لمن توفى زوجها خلال العشرية السوداء “الإرهاب”، أو بسب مرض أو حادث اليم، فوجدت نفسها تواجه مصيرا مجهولا، والذي يحمل في طياتها واقعا أليما، ومعاناة تختزلها نظرات الأرامل المشفرة والحزينة بمجرد النظر في عيون ممتلئة بالدموع المحجرة، لتفهم أن القدر ومشيئة الله لا اعتراض عليها، حين تتحدث إلى أرامل وجدن أنفسهن في الشوارع بحثا عن مهنة تعيلهن حتى وإن كانت “فام دوميناج” بالمحلات والبيوت، وأخريات تم استغلالهن في التسول والرذيلة، وفئة ثالثة سمعت بقارب نجاة عن منح جزافية، خصصتها الدولة للأشخاص الذين بدون دخل من أرباب العائلة، فقصدن وكالة التنمية الاجتماعية ببئر خادم بالعاصمة.
.
اغتيال زوجي جعلني وبناتي عرضة للسكارى ليلا
“زوجي ضابط شرطة اغتيل من طرف الجماعات الإرهابية بمنطقة عزازڤة، والآن أتنقل من بيت لأخر عند الجيران والأصدقاء مع ابنتي سامية وجميلة، واقتات من الحسنات ومساعدات أهل الخير، واضطر في أغلب الأحيان إلى التسول لكسب قوت يومي، فلا يمكنني العمل لأني مريضة “تلك شهادة أدلت بها الحاجة “الضاوية” فبصعوبة كبيرة وافقت على سرد معاناتها وتشردها في شوارع العاصمة طلية أيام السنة، ومبيتها عند الأصدقاء وفي أحيان كثيرة تحت أسقف العمارات والجسور، تتحدث والدموع تنهمر من عيناها أخاف كثيرا أنا وبناتي بمجرد أن يسدل الليل ستار، خاصة من السكارى ومدمني المخدرات الذي يجوبون الشوارع ليلا ويتحرشون بنا.. تصمت وترفض مواصلة الحديث.
.
الفقر يدفع بعضهن للوقوع في الرذيلة
واصلنا جولتنا ونحن بساحة بور سعيد “السكوار”، صادفنا السيدة خليدة عمرها لم يتجاوز 48 سنة، اقتربنا منها كانت تجلس على الرصيف وتتأمل المارة، ارتابتا خوف شديد ونحن نحاول التحدث إليها، كانت ملابسها بالية رثة وأثار التعب بادية على وجهها، بصوت خشن سألتنا ماذا تريدن؟ أقنعتها بصعوبة أنني أريد مساعدتها محاولة استدراجها بعد أن منحتها بعض المال، لتطمئن وتوافق على الحديث قالت “أنا أرملة توفي زوجي في حادث مرور اليم، تركني ولكن الحمد لله لم أنجب منه أولادا لكان مصيرهم التشرد مثلي، أهلي رفضوا استقبالي في المنزل وطردوني لأني تزوجت دون موافقتهم، والآن تحمل تبعة أفعالي، أتعرض يوميا لتحرشات جنسية من طرف المارة، منهم من يتصدق رأفة بي وآخرون طمعا في، لكن حين أعجز عن توفير لقمة العيش اخضع لهم، الشارع والأرصفة علمتني الكثير، لكن لا خيار أمام سوى السقوط في الرذيلة، اقترحنا عليها اللجوء إلى مراكز الاجتماعية المتكفلة بهذه الشريحة، فردت لم أسمع عنها “تركنا حميدة وغادرنا بعد أن طلبت المزيد من المال لشراء بعض الأغراض.
.
أعمل “فام دوميناج” لأعيل عائلتي بعد وفاة زوجي في الجبل
طرقنا باب إحدى الأرامل الماكثات في البيت، فتحت خالتي “يمينة” ورحبت بوجودنا بعد أن قدمنا أنفسنا ومهنتنا، كانت تقيم ببيت هش رفقة أبنائها، تقول: “ترملت وأنا صغيرة، صعد زوجي إلى الجبال خلال العشرية السوداء، ولم يعد وانقطعت أخباره مدة 5 سنوات إلى أن علمت أنه توفى، تركني رفقة اليتامى وحيدة، لكن الحمد لله سجلت لدى المصالح المختصة وأستفيد حاليا من المنحة التي تقدمها الدولة لربات العائلات بدون دخل، كما أنني أطهي خبز “المطلوع” وأوزعه على المحالات، فضلا عن عملي كخادمة بيوت”فام دومناج”لدفع تكاليف تمدرس أولادي وتمكينهم من العيش، وأهل الخير يتذكرونني من الحين للآخر”.
.
الدولة تمنح الأرامل بدون دخل مبلغ 3000 دينار ولطفلها 120 دينار
كشف مصدر مسؤول على مستوى وكالة التنمية الاجتماعية ببئر خادم في العاصمة، عن الإعانات ومنح الجزافية التي تقدمها الدولة للأشخاص الذين بدون دخل، حيث تعمل الوكالة التي تشبه خلية النحل على ترقية واختيار وتمويل النشاطات والمشاريع لصالح الفئات المحرومة، عن طريق إعانات تمنح للأشخاص العاجزين عن العمل أو مساعدتهم على خلق مناصب شغل واكتساب الخبرة، وهذا بعد التوجه إلى جهاز الشبكة الاجتماعية وعدده1541موزع عبر 48 ولاية عبر البلديات.
هذا في الوقت الذي يجهل فيه العديد من الفئات أن الدولة خصصت منحا جزافية شهرية للفئة التي بدون دخل من بينهم الأرامل والمقدرة بمبلغ 3000 دينار تمنح بصفة منتظمة وبدون أي تأخير بعد ضبط القوائم وإرسال التغطيات المالية في أجالها المحددة، ومبلغ إضافي يقدر بـ120 دينار لكل شخص، تحت كفالة المستفيد على أن لا يتجاوز عددهم 3 أشخاص، فضلا عن استفادته من التغطية الاجتماعية وتمكينه من بطاقة الشفاء ويكون التعويض بنسبة مائة بالمائة، غير أن بعض الأرامل الذين تحدث إليهم “الشروق”، اعتبروا المنح الجزافية الممنوحة من طرف الدولة غير كافية لسد طلباتهم اليومية في ظل ارتفاع المعيشة.
من جهتها، كشفت المحامية المعتمدة لدى مجلس قضاء الجزائر بن براهم فاطمة الزهراء، أن الأرامل في الجزائر يعانون من التهميش وغياب التكافل الاجتماعي، مؤكدا أنه لا وجود لأي نص قانوني يكفل حماية هذه الشريحة ويضمن حقوقها، خاصة وأن الأرملة تجد نفسها بين خيارين أحلاهما مر، حين تقع على عاتقها مسؤولية إعالة أولادها اليتامى، بمجرد وفاة المعيل الوحيد للعائلة الذي ترك وراءه أطفالا في حاجة إلى عناية مادية ومعنوية، مؤكدة أن منحة التقاعد في حال حصولها عليها يتم خصم نسبة 20 بالمائة منها.
وأشارت بن براهم في اتصال هاتفي بـ”الشروق” إلى أن الأرامل اللواتي يجدن صعوبة في توفير لقمة العيش بسبب الفقر والحاجة، يلجأن إلى ممارسة الدعارة وتكون إما منظمة أو عشوائية، وأما عن الأولى تضيف ذات المتحدثة فهي تلك التي يكون تحت الرقابة لأن الدولة تشرف عليها وتنظم في البيوت مقابل مبلغ مالي شهري، ويشرف على حالتها طبيب ويمنع عليها إنجاب الأطفال وتكون المرأة محمية من عدة أخطار، كما أن شرطة الأخلاق تتكفل بالظاهرة، محذرة في السياق ذاته من تبعات الدعارة العشوائية كونها تأثر سلبا في الأبناء الذين حتما يقتادون بها ويسيرون سير الأم، مبدية معارضتها على الدعارة العشوائية.
.
الدكتور إسماعيل موسى يصرح للشروق:
تقنين دعارة الأرامل باطل والداعون إليها يسعون في الأرض فسادا
دعا الدكتور الإمام “موسى إسماعيل” إلى حفظ كرامة الأرملة، لهذا اعتبر الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، خدمة الأرملة وقضاء حاجتها في رتبة الجهاد في سبيل الله، ودرجة الصائم بالنهار القائم بالليل، ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالمِسْكِينِ، كَالْمُجَاهِد ِفِي سَبِيلِ اللَّهِ، – وَأَحْسِبُهُ قَالَ “وَكَالْقَائِم ِلَا يَفْتُرُ، وَكَالصَّائِم ِلَا يُفْطِرُ”، والنبي صلى الله عليه وسلم نفسه كان يسعى في خدمة الأرامل ويقدم لهن يد العون والمساعدة، جاء ذلك في الأحاديث منها ما رواه النسائي عن عبد الله بن أبي أَوْفَى قال: »كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َلَا يَأْنَفُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَ الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ فَيَقْضِيَ لَهُ الحاجَةَ«.
وقال الامام اسماعيل إن المرأة الأرملة كانت تعيش في المجتمع الإسلامي معززة مكرمة، ومحل تقدير من أهلها وجيرانها وسائر الناس، غير أن التحولات التي طرأت على المجتمع وأفقدته بعض المبادئ والقيم جعلت هذه الفئة تعيش مهمشة وتكابد الكثير من الصعوبات، والعيب ليس في القيم الدينية والمبادئ الأخلاقية بل أفراد المجتمع الذين تنصلوا من المسؤولية، وامتنعوا من أداء واجبهم، وإذا كنا نريد تغيير هذه الوضعية المؤسفة لابد من تغيير ما في نفوسنا من أنانية، والله تعالى يقول: »إِنَّ اللَّهَ لايُغَيِّرُ مَا بِقَوْم ٍحَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ«، كما أن الدولة تتحمل جزءا كبيرا من المسؤولية اتجاه هذه الشريحة، وذلك بتوفير القوانين الكافية لحمايتها وتقديم التكفل اللازم بها، ومن جملة ذلك تخصيص منح تحفظ لهن كرامتهن.
واستنكر إسماعيل موسى بشدة الداعين إلى تقنين الدعارة بتوفير الجو المناسب لها، وإعطائها صفة المشروعية، معتبرا أن هذه الدعوة باطلة يأباها الدين وتأباها التشريعات الرامية إلى حماية المجتمع من الانحراف وحفظ الأمن العام، وأصحابها من الذين يسعون في الأرض فسادا كما قال تعالى: »إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ وآمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ«، ومن استحل ما حرم الله تعالى واستبدل حكما يخالف ما تواترت به النصوص الشرعية وأجمعت عليه الأمة فقد مرق من الدين، كما قال تعالى: «وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُا الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً«.
ومشكلة الأرامل لم تصبح بعد ظاهرة كما يدعيه هؤلاء، فنحن نرى الكثير منهن يعشن حياة مستقرة والكثير من الأسر لم تهملهن وتقوم بواجبها نحوهن، وإذا صادفنا بعض الحالات من الانحراف فهي حالات شاذة وليست عامة، وكما يقال: الشاذ يحفظ ولا يقاس عليه.
.
الدكتور حنطابلي للشروق:
الأرملة عرضة للانحراف والأطماع وتلاشي المدلول البيولوجي هدر لشرفها
أكد الدكتور يوسف حنطابلي مختص في علم الاجتماع بجامعة البليدة، أن وضعية الأرملة في المجتمع الجزائري تخضع لعادات وتقاليد وتضامن اجتماعي، فالأرملة في المجتمع التقليدي كانت تتميز بالمراقبة الاجتماعية لأنه بمجرد وفاة زوجها تكون عرضة للانحراف وأطماع معينة، فمن هذا الحس الاجتماعي كان يتم التكفل بالأرملة وبكل متطلباتها من طرف الأسرة التي كانت تشعر أنها مجبرة على الاهتمام بها، وتأسف الدكتور حنطابلي في اتصال هاتفي بالشروق على ظاهرة التفكك الأسري وغياب التكافل الاجتماعي، سيما وأن الأسرة لم تعد مهتمة بشرف الأرملة بحكم الواقع المتغير حين أصبح العم أو الخال مجرد مدلول بيولوجي.
وقال ذات المتحدث أن الدولة لم تعد قادرة على التكفل بهذه الشريحة، غير أنه في الدول المتحضرة بمجرد غياب المدلول البيولوجي تتكفل الدولة بالأرملة وتحل محل العم والخال ويتم تعويضها بالمجتمع المدني والأسرة والتنظيم الاجتماعي.