الأردن: الهاشميون تجديد المهمة أم انتهاؤها؟
إذا كان على الرئيس الأمريكي واجب استراتيجي ملحٌ لزيارة أسرائيل، هو واجب تأكيد الولاء للحركة الصهيونية خاصة بعد بعض الكلمات التي انفلتت منه خلال حملته الانتخابية، والتي استغلها نتنياهو بروح شايلوك، اليهودي الذي تحدث عنه قبل قرون المسرحي البريطاني الشهير شكسبير.. فقد أصر نتنياهو على أن يأتيه أوباما راكعا خاضعا. ويجثو بين قدميه معلنا الولاء كل الولاء.
وقد فعلها باراك حسين اوباما واكد الولاء للصهيونية ولنتنياهو حين قال إن على الفلسطينيين أن يعترفوا بيهودية دولة إسرائيل.. وهو المطلب الرئيسي لنتياهو والصهاينة جميعا في هذه المرحلة .. لأن العرب في المرحلة القادمة سيكونون قبائل شتى وإمارات إسلامية متناحرة بين سنة وشيعة وبين سلفية وصوفية.. ولا فائدة آنذاك أن يعترفوا أو لا يعترفوا، فقد جربت هذه الوسيلة واعترف كل من السادات في مصر والحسين في الأردن علنا بإسرائيل، واعترفت باقي الدول العربية بما فيها تلك التي تسمي نفسها دولا ممانعة اعترفت سرا بإسرائيل.. ولكن ذلك لم ينفع إسرائيل، كما لم ينفع الدول العربية .. فالقضية كلها بيد الشعب الفلسطيني، وهذا الشعب حتى الآن رغم مرور قرن على صراعه مع الصهيونية والدول الكبرى يبدي عنادا دهشت له جولدا مائير ومن قبل شارون – الميت الحي- وبعدها … لايريد أن يعترف ولم تنفع معه سياسة الجزرة – المتمثلة في وعد الدولة – والعصا – المتمثلة في الرصاص المسكوب …
ويعتبر الشعب الفلسطيني من أكثر الشعوب في العالم التي دفعت قياداتها ثمن تمسكها بمطلب الشعب المتمثل في التحرير والعودة، وهما مطلبان يتناقضان جديا مع يهودية إسرائيل ومجالات المناورة، خاصة فيما يتعلق بالعودة الضيقة جدا أمام القيادات .. ولذلك حين حشر كلينتون وايهود باراك ياسر عرفات في كامب ديفيد الثانية وقطعا عنه أي اتصال حتى مع مستشاريه المرافقين، رفض عرفات التوقيع قائلا لكلينتون: اوقع اليوم عندك وغدا أقتل في رام الله.
فعاد عرفات ليُقتل بعد سنوات، وخرج كلينتون من البيت الأبيض بفضيخة مذلة لشرفه، ولا يريد أوباما أن يلاقي المصير نفسه، فجاء راكعا خاضعا وأعلن الولاء التام، وهذا يكفي ليكون مبررا له للزيارة وللإسرائيليين أن يحتفوا به.
ولكن ماهو مبرر زيارته للأردن؟ وتبدو تصريحات السفير الأمريكي في عمان بأن الزيارة هي دعم للأردن؛ سخيفة أكثر مما يجب وتدل على أنه لايفهم من السياسة ما طحاها، كما يقول العرب الأقدمون، فكل الأردنيين يعلمون أن لا أوباما ولا غيره من رؤساء أمريكا يستطيعون تقرير شيء في الملف الأردني، فهو ملف من اختصاص الحركة الصهيونية منذ عشرينات القرن الماضي حين تأسست إمارة ثم مملكة شرقي الأردن ثم المملكة الأردنية الهاشمية، لحماية المشروع الصهيوني وتمكينه من إقامة دولته اسرائيل واستيعاب الفلسطيين الذين سيطردون من أرضهم، وقد أدى الهاشميون الذين نصبوا على عرش المملكة المهمة بكل نجاح وبكل حيوية، وأوكل الملك حسين بن طلال مهمة قمع الأردنيين والفلسطينين وإدارة الشؤون الداخلية للحفاظ على العرش أوكلها منذ عام 1957 إلى جاك آكنل رئيس المخابرات الأمريكية cia في الشرق الأوسط الذي كان مقره عمان عاصمة الملك، وتفرغ جلالته لعمليتين؛ أولاها الجوسسة على الحكام العرب وكان يتقاضى على ذلك 15 ألف دولار شهريا استمرت حتى عام 1976 حين أوقف هذا المرتب الرئيس الأمريكي جيمي كارتر بعد أن فضحها الصحفي الأمريكي لوب ادوارد مع مليون دولار سنويا تنفقها الوكالة على معيشة أولاد الملك بمن فيهم الملك الحالي عبد الله في الولايات المتحدة، وقطعها جيمي كارتر لأنه رأى أن ذلك لم يعد لائقا بسمعة أمريكا.
أما المهمة الثانية التي تفرغ لها الملك فهي السلام مع إسرائيل .. لذلك فإنه قضى عشرات آلاف الساعات طيلة أربعين عاما في اللقاءات مع الصهاينة والسياسيين الإنجليز والبريطانيين سواء في تل أبيب نفسها أو في واشنطن ولندن وغيرها من عواصم العالم.
لذلك فالسؤال اليوم ليس هو في دعم الأردن، بل هو في أي أردن الذي يدعم؟ فإذا كان أردن العائلة الهاشمية بمعنى أن هذه العائلة مازالت صالحة للخدمة بنظر الصهاينة، فهذا يعني أنها موافقة على تهويد دولة اسرائيل الذي من أبسط مفرداته طرد العرب الفلسطينين الذين يعيشون منذ عام 1948 في دولة اسرائيل، فهم ليسوا يهودا، والديانة اليهودية ليست ديانة تبشيرية ولا تقبل تهويد الأغيار، أي أن هؤلاء العرب من مسلمين ونصارى سيطردون إلى المملكة الأردنية الهاشمية، فهل وافق عبد الله الثاني كما وافق جده عبد الله الأول بن الحسين، على استيعاب اللاجئين الفلسطيين وضبطهم من جديد؟
إن القدرة على الضبط غير مضمونة، فالفلسطينيون في الأردن رغم عمق واتساع مأساتهم لم يستطع ضبطهم الجنرال البريطاني جون باجت كلوب الذي بذل كل إمكانات بريطانيا العظمى واقترف من المآسي حتى كرهه ابنه فارس وراح يشتغل صحافيا لصالح الفلسطينيين في عمان ولبنان إلى أن مات قبل سنوات خلال حادث سيارة في الكويت التي كان يعمل فيها رئيسا لقسم المراسلين في وكالة كونا؟
هل قال الملك الأردني عبد الله الثاني بن الحسين لأوباما إن الأردن لا يستطيع استيعاب المزيد من اللاجئين، وهو يعجز عن التعامل مع اللاجئين السوريين بعد أن قررت الدول الخليجية تقديم المساعدة لهم عن طريق منظمات الأمم المتحدة، وهي مسألة كافية لأن يفهم النظام الأردني أنه لن يقبض دولارا واحدا إذا ماقبل المليون لاجئ فلسطيني أو أكثر، الذين سيطردون إلى الأردن؛ علهم يتسربون كما تسرب الذين من قبلهم إلى دول الخليج وينقلب السحر على الساحر؟
وهل الفلسطينيون اليوم الذين تبلورت نخبتهم – على أخطائها – سيقبلون نظاما ملكيا عليهم من عائلة غير فلسطينية وهم يشكلون الغالبية العظمى من الشعب شرقي نهر الأردن، وهل سيقبل اليهود والصهاينة رسم حدود لدولتهم سواء عند القدس أو عند نهر الأردن؟ كل ذلك لم يتحدث عنه السفير الأمريكي في عمان، ولا الملك الذي شتم شعبه للصحافة الأمريكية وهو يعاني معه اليوم من “شمكلة” أخلاقية، كما يعاني مع عائلته سواء اخوته الأحد عشر أو اعمامه او اولاده من مشكلة فساد يراها تشكل خطرا على هذه العائلة، ذلك أن السعودية لم تقبل بوما ولن تقبل بعودة الهاشميين إلى مملكة الحجاز بعد أن طردهم منها مؤسس مملكتهم عام 1924، كما عجزت أمريكا أعلى ن تعيد العائلة الهاشمية إلى حكم بغداد الذي عزلت عنه عام 1958، ذلك أن شيعة العراق لم يعودوا شيعة آل البيت كما أخبرنا عبد الله نفسه الذي يقول إنه من سلالة آل البيت، بل صاروا شيعة قم في إيران، ويسعون إلى تكوين قوس شيعي من طهران حتى بيروت.
إذن هل جاء أوباما ليطمئن على أحوال الأردنيين الملك والحكومة والشعب، أم جاء ليرى هل أن الهاشميين في الأردن يقدرون على أن يستوعبوا الفلسطينيين ويضبطوهم، أم أن من الأفضل تنفيذ فكرة الأردن هو الوطن البديل، ولتختار العائلة الهاشمية أي بلد تعيش فيه، كما اختارت العائلات التي قبلها من قياصرة روسيا إلى الملك إدريس السنوسي مرورا بعائلة الملك فاروق بمصر وغيرها من العائلات المالكة في العالم؟
ولا أعتقد أنه سيمر وقت طويل على معرفة ذلك كله، فالرمال المتزحلقة التي عاشت عليها العائلة الهاشمية منذ حوالي ثمانين عاما أصبحت اكثر رخاوة، حيث أن الرياح
التي تهب على المنطقة بدأت تأخذها معها، وبالتالي سنعرف إذا ماتم تمديد مهمة الهاشميين أو تم إنهاؤها.. فالتاريخ لم يعلم أن المهمة تبقى إلى الأبد، فكيف إذا كانت مهمة..؟