الألم والعزة بالإثم!
بعيدا عن التفاصيل المملّة، هل فعلا الجزائريون لا تنقصهم سوى نقاشات بزنطية، وتنابز بالألقاب والأحباب؟ هل ينقصنا التهارش بأفكار من المفروض أن تحقق التقارب والصلح بدل الفتنة والقلاقل؟
“الغبّارة” التي استيقظت وحبست أنفاس المتابعين، بسبب “العركة” بين الوزير السابق صاحب نظرية “الغاشي“، نور الدين بوكروح، وعدد من المفكـّرين والأئمة، كان ربّما يُمكن الاستفادة منها في مسائل أخرى، قد تفيد أكثر، بعيدا عن جدلية الدجاجة والبيضة!
كم نحن جميعا بحاجة إلى منظرين ومتجادلين ومتبارزين بالأفكار والحلول والبدائل، وكم نحن كلـّنا في حاجة إلى “ثورة” في التنوير بدل التزوير والتحوير.. إننا في حاجة إلى أن نسمع بعضنا البعض، ونفهم بعضنا البعض، لا أن نسمع صوتنا فقط، ونمارس المونولوج وحوار الطرشان!
الذي يحدث من حين إلى آخر، سواء في المسائل الدينية أم التاريخية أم الفكرية أم العقائدية أم السياسية أم الاقتصادية أم العلمية، هو في الظاهر ظواهر صحية، ينبغي على هؤلاء وأولئك رعايتها وتسمينها، لكن الأمر يتحوّل إلى مرض ثم عدوى فوباء، عندما يصبح صراعا وانتقاما!
ليس هكذا تورد الإبل، يا جماعة الخير، وليس بالغلق على الآخر، وبالتشكيك في أفكار الآخر، وبالتقليل من قدرة الآخر وكفاءته، ولا بالثأر وصبّ البنزين على النار، وإنـّما بـ “التي هي أحسن“، وبالتراشق بمفاتيح الكلام بالدلائل والبراهين، لا بالغمز واللمز والهمز!
نعم، الجزائر في حاجة ماسّة إلى نقاش مفتوح، بعيدا عن المنطق المفضوح، والضرب باللوح، حتى لا يفوح، وهذه معادلة مفقودة في عراك انتحاري لا يُسمن ولا يُغني من جوع!
الحسابات الشخصية هي التي تنتهي في كلّ مرّة بالحرب والضرب تحت الحزام وتوزيع الأوجاع والأوهام، والذي يحدث بين بوكروح ومنتقديه، حدث قبله بين بوناطيرو ومنتقديه، وبين مساندي ومعارضي قانون الأسرة في نسخته الجديدة، وبين محلّلي ومحرّمي مشاريع “أونساج” ومساكن “عدل“، وكذا بعض الفتاوى الطريفة والظريفة من شاكلة “إرضاع الكبير“..!
لن تنفعنا الأفكار المُصابة بالبلهارسيا والكوليرا والطاعون، كما لن يخدمنا الشقاق ومنطق “البحث عن القمل في راس الفرطاس“، مثلما لا طائل من الإصرار على “العزة بالإثم“، فهذه كلها عواصف رملية وثلجية، لا ينفع فيها غرس الرأس كالنعامة لتفاديها، لكن الغرق في فنجان المسلمات من باب “أصول الوضوء“، هو أيضا كمن يضرب الريح بالعصا!