الإبداع والمؤانسة في أدب الرياسة
إلى أن يكذبني إيداع ملف الترشح، فإني مصر على الاعتقاد أن الرئيس بوتفليقة قد حسم ملفف العهدة الرابعة منذ خطاب سطيف حول نهاية جيل “طاب جنانو”، بل وأقال وقتها سياسيا وأخلاقيا جيلا كاملا قاد البلاد طوال نصف قرن، تبعه تغيير في نشاط الرئيس، كان يحمل أكثر من مؤشر عن هذا التوجه.
المؤشر الأقوى ظهر مع التسويف المدروس في طرح التعديل الدستوري للنقاش، علما أن الرئيس لم يكن ليقبل بعهدة رابعة قبل انتزاع الموافقة على التعديل، وتغيير نظام الحكم.
فما الذي حمل أحزاب الموالاة والمعارضة على صرف جهودهم طوال سنة ونصف، إما في اتجاه الترويج للعهدة أو شجبها، فيما لم يصدر عن الرئيس ما يدل على الرغبة في طلبها؟
في مقال سابق، لفت الانتباه إلى إصرار الرئيس على الظهور بصورة “الرجل المقعد”، في مشاهد كانت تغري جميع الأطراف في الداخل والخارج على الاعتقاد بوجود استحالة موضوعية لقيام عهدة رابعة، فيما كانت تحرك مواقع عديدة في السلطة لإدارة حملة متماسكة، واثقة من ترشح الرئيس، شاركت في تزويد مطاحنها بالماء أغلب زعامات المعارضة التي كانت أكبر مروج لأسطورة العهدة الرابعة.
ثم جاءت خرجة سعيداني لتنشئ أجواء مضطربة ومتضاربة من الخوف والقلق والرجاء معا، أخلطت كثيرا من الأوراق، ليس في حسابات المعارضين في الداخل، بل أنتجت كتلة دخان كثيف حجبت الرؤية حتى عن القوى الأجنبية التقليدية التي كانت تدعي لنفسها دورا في ترجيح كفة ساكن قصر المرادية.
سؤال مشروع لم تطرحه المعارضة: لو أن بوتفليقة كان راغبا في عهدة رابعة، هل كان سيسمح بأن يعبث بجبهة التحرير ثم بالتجمع، وبإبعاد رجلين مثل أويحيى وبلخادم؟ وهل كان سيصرف النظر عن تشغيل البحبوحة المالية لشراء أكبر قدر من السلم الاجتماعي؟ وهل كان سيسمح بتعريض المؤسسة العسكرية لما تعرضت له، بعد أن عالج البؤرة التي كانت تقض مضجعه؟
بكل تأكيد وثقة، يكون الجواب لا، ولم يكن ليسمح بحملة بهذا الغباء والارتجال الظاهرين، إلا إذا كان إنما أراد أن يفلس عمدا مسار العهدة الرابعة دون أن يلتفت الخصوم إلى خفايا اللعبة، على الأقل حتى آخر يوم من إغلاق موعد الترشح.
في تقديري المتواضع يكون”العقل المدبر” قد نجح في لعبة التضليل حتى النهاية، وإشغال الخصوم بالجملة، حتى إن الجزء الأكبر من المعارضة قد أقصى نفسه بنفسه، بإعلان المقاطعة، ومنع صوت بن فليس من الوصول إلى أنصاره، وسط جلبة مطاحن الإعلام حول صحة الرئيس، ثم مفردات “مسلسل سعيداني ـ توفيق” فيما أقّت ببراعة لخروج “الجوكر الصامت” مولود حمروش.
ولأول مرة، قد لا يحتاج أركان النظام وأدواته لتبني مرشح إجماع كالعادة، ليفسح الفرصة للناخب يفصل بين مرشحين، كلاهما له صلة رحم مع النظام، سبق لهما منافسة بوتفليقة، والتعرف لاحقا على مقدار قوة الدولة العميقة في ترجيح الكفة لمن تشاء، حتى وهي تسوق في الظاهر لحالة من الانقسام كما حصل في 2004.