الرأي

الإرهاب والطّائفية‮.. ‬رمتني‮ ‬بدائها وانسلّت

سلطان بركاني
  • 2474
  • 0

أظهرت إحصائية نشرتها جامعة‮ “‬ميتشغان‮” ‬الأمريكية مؤخّرا أنّ‮ ‬عدد القتلى في‮ ‬القرن العشرين،‮ ‬بلغ‮ ‬102‮ ‬مليون إنسان؛‮ ‬98‮ ‬‭%‬‮ ‬منهم،‮ ‬أي‮ ‬ما لا‮ ‬يقلّ‮ ‬عن‮ ‬100‮ ‬مليون،‮ ‬قتلوا بأيدي‮ ‬غير المسلمين،‮ ‬بينما لم‮ ‬يقتل بأيدي‮ ‬المسلمين سوى نسبة لم تتعدّ‮ ‬2‭ %‬‮ ‬‭.‬‮ ‬هذه الإحصائية،‮ ‬هي‮ ‬واحدة من عشرات الإحصائيات الغربية المنصفة،‮ ‬وسط ركام هائل من التّزوير الممنهج الذي‮ ‬يمارسه الإعلام الغربيّ،‮ ‬ومن خلفه الإعلام العربيّ‮ ‬المتعلمن،‮ ‬في‮ ‬التسويق لأكذوبة أنّ‮ ‬الإرهاب‮ “‬ماركة‮” ‬مسجّلة باسم المسلمين‮!.‬

الحقّ‮ ‬يقال إنّ‮ ‬الرزية ليست في‮ ‬إصرار الإعلام الموجّه على هذا التّزوير،‮ ‬لكنّها في‮ ‬تماهي‮ ‬كثير من المسلمين مع هذه التّهمة،‮ ‬وتباكيهم على أعتاب الغرب لأجل رفعها عنهم،‮ ‬ورضاهم بالبراءة بعضهم من بعض في‮ ‬سبيل ذلك،‮ ‬بل قد بلغ‮ ‬الأمر ببعض المتَبَتّلين في‮ ‬محاريب الغرب إلى حدّ‮ ‬البراءة من أحرار الأمّة الذين‮ ‬يواجهون الإرهاب الصهيو-صليبيّ‮ ‬دفاعا عن الدّين والأرض والعرض،‮ ‬كما هي‮ ‬الحال مع المقاومة الفلسطينية الباسلة‮.. ‬وعلى النّقيض من هذا،‮ ‬نجد الغرب‮ ‬يستميت في‮ ‬الدّفاع عن إرهابه الرّسميّ‮ ‬الذي‮ ‬يحصد أرواح العزّل والأطفال والنّساء،‮ ‬وتُستخدم فيه أحدث الأسلحة التي‮ ‬يراد لها أن تجرّب في‮ ‬أراضي‮ ‬المسلمين وفوق رؤوسهم‮.‬

لقد بليت الأمّة بسطوة إعلام متعلمن كرّس لأكذوبة أنّ‮ ‬الإرهاب إسلاميّ‮ ‬المنبت والمنشأ؛ إعلام‮ ‬يلوم الشّاة المذبوحة على اضطرابها أثناء الذّبح وتسبّبها في‮ ‬تلطيخ ثوب الجزّار،‮ ‬ويتبرّأ من فعلها ويقدّم اعتذاراته عن إرهابها‮!. ‬إعلام أثّر في‮ ‬قطاع عريض من نخبة الأمّة،‮ ‬وفي‮ ‬بعض علمائها الرسميين وغير الرّسميين،‮ ‬الذين شُغلوا بدبج البيانات والخطب التي‮ ‬تتحدّث عن سماحة الإسلام وبراءته من الإرهاب والإرهابيين،‮ ‬في‮ ‬وقت‮ ‬يستباح فيه الأقصى،‮ ‬وتدكّ‮ ‬مدن العراق وسوريا،‮ ‬وتتطاير أشلاء المسلمين بالأسلحة الأمريكية والفرنسية والروسية‮.‬

الطّائفيّة التي‮ ‬بُرّئ محترفوها وأدين ضحاياها

هذا التّحوير الذي‮ ‬طال تهمة الإرهاب،‮ ‬طال أيضا تهمة الطائفية،‮ ‬التي‮ ‬بُرّئ محترفوها وأُدين ضحاياها،‮ ‬برّئ من أسّس دولة وسط المسلمين على أساس مذهبيّ‮ ‬طائفيّ‮ ‬ووضع خطّة خمسينية ورصد أموالا طائلة لترويج مذهب‮ ‬يقوم ليس فقط على إلغاء الآخر وإنّما على لعنه والبراءة منه واستباحة دمه وماله وعرضه،‮ ‬وبرّئ من‮ ‬يطعن في‮ ‬كتب السنّة ومصادر الدّين،‮ ‬ويلعن الصّحابة المرضيين والخلفاء الراشدين وأمّهات المؤمنين،‮ ‬وبرّئت عشرات المليشيات الطائفية التي‮ ‬عاثت فسادا في‮ ‬سوريا والعراق وقتلت مئات الآلاف من الأبرياء على الهوية والطائفة والاسم؛ برّئت ليس فقط من تهمة الطائفية وإنّما أيضا من تهمة الإرهاب،‮ ‬وأعفيت من الإدراج ضمن قوائمه‮!‬،‮ ‬وفي‮ ‬المقابل ألصقت تهمة الطائفية بالضحايا الذين‮ ‬يستغيثون تحت حدّ‮ ‬السكّين والمثقاب،‮ ‬وألصقت بكلّ‮ ‬من تسوّل له نفسه شجب التطهير الطائفيّ،‮ ‬وأصبحت بطاقة حمراء تُشهر في‮ ‬وجه كلّ‮ ‬من‮ ‬يتصدّى للعدوان الممنهج على مصادر الدّين ورجاله‮.‬

أهل السنّة أمّة وليسوا طائفة

لقد استطاع الإعلام الطّائفيّ‮ ‬أن‮ ‬يفرض منطقه ويشغل الأمّة عن اكتشاف حقيقته،‮ ‬مستعينا بالصّوت المرتفع وخطاب المظلومية ومنطق‮ “‬اكذب ثمّ‮ ‬اكذب حتّى‮ ‬يصدّقك النّاس‮”‬،‮ ‬وأمكنه أن‮ ‬يُرهب كثيرا من الكتاب والدّعاة عن الخوض في‮ ‬تفاصيل المؤامرات التي‮ ‬يحيكها المشروع الطائفيّ‮ ‬لأمّة الإسلام،‮ ‬ويجعلَهم‮ ‬يرضون باعتبار‮ “‬أهل السنّة‮” ‬طائفة إزاء طائفة‮ “‬الشّيعة‮”‬،‮ ‬مع أنّ‮ ‬الطائفة الشيعيّة لا تضاهي‮ ‬أهل السنّة عددا ولا أثرا،‮ ‬ومع أنّ‮ ‬أهل السنّة لم‮ ‬يكونوا طوال التاريخ الإسلاميّ‮ ‬طائفة،‮ ‬وإنّما كانوا هم الأمّة،‮ ‬وهم الأصل الذي‮ ‬يردّ‮ ‬إليه‮ ‬غيره؛ فهم الذين جمعوا القرآن وتناقلوه بالأسانيد المتّصلة،‮ ‬واهتمّوا بتفسيره وبرواياته وأحكام تلاوته،‮ ‬ولم‮ ‬يكن أشهر قرّاء العالم الإسلاميّ‮ ‬إلا منهم،‮ ‬وهم الذين جمعوا السنّة ووضعوا علم الحديث لتمييز الصحيح من الضّعيف،‮ ‬وهم الذين أرسوا دعائم الإعجاز العلميّ‮ ‬في‮ ‬القرآن والسنّة،‮ ‬وقادوا على دربه مئات العلماء الغربيين إلى الإسلام،‮ ‬وهم الذين جيّشوا الجيوش وفتحوا الفتوح،‮ ‬ونقلوا الإسلام إلى مشارق الأرض ومغاربها،‮ ‬وهم الذين صدّوا الحملات الصليبية وحملات التتار والمغول‮… ‬فهل‮ ‬يليق بعد كلّ‮ ‬هذا أن‮ ‬يرضى بعض الدّعاة والكتّاب بتصنيف أهل السنّة على أنّهم طائفة من الطّوائف؟

مقالات ذات صلة