-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الإسلاميون من الدعوة إلى المعارضة.. إلى الدولة

صالح عوض
  • 2312
  • 0
الإسلاميون من الدعوة إلى المعارضة.. إلى الدولة

لا أدري لماذا يشرع هذا الموضوع أبوابه أمامي وأنا أتنقل في مواقع القرار للالتقاء بالقيادات السودانية أستمع وأسأل وأتامل ما هو مصير الحركة الاسلامية ماذا أنجزت؟ ماذا فقدت من بريقها وقيمها في الرحلة الصعبة؟ إلى أي مدى نجحت في تحقيق أهدافها؟ ولعلنا نستطيع القول إنها التجربة الاسلامية الوحيدة التي تمكنت من الحكم وحافظت عليه، رغم هجمات عنيفة ذات اليمين وذات اليسار، تعرض لها السودان كادت أن تعصف به من الخريطة وتبعثره إلى كيانات مشتتة متناحرة.. ما يريح المتسائل مثلي إنه يلتقي بقيادات من أصحاب المشروع متواضعين لا يحبون أن يُحمدوا بما لم يفعلوا وهم يبادرون بالنقد الذاتي بتشخيص النواقص والاشارة إلى أن هناك مهمّات كبيرة وعقبات عديدة أمام المشروع الاسلامي وهي تمثل تحديات حاسمة.

التقيت بالمفكر الاسلامي الدكتور أمين حسن عمر فتحنا الحوار حول الاسلاميين والدولة ووجدت نفسي أمام ثقافة خاصة، غير متكررة لدى الحركات الاسلامية العربية.. وجدتُ منظومة فكرية متماسكة منطلقة من فهم الدين ورسالته وتضع الحد المميز بين الحدود والعقوبات في دائرة والقيم والمفاهيم في دائرة أخرى لاتطغى إحداهما على الأخرى.. ثم لئن كان هناك آليات للعقوبات والحدود وفهم الملابسات والظروف فإن القيم وما ينفع الناس هو سبيل لا مراوحة عنه أما الدولة فلها حساباتها عليها توفير الإمكانات للتمكين للقيم والمفاهيم متدرجة متحركة بحكمة، قد يقتضي الأمر تنازلات ومداراة ومجانبات على ألا يحصل الخلل في الجوهر، وهنا لابد من عمل مستند إلى تواصل عملية التفكير في الأفضل والخيارات المتعددة.. وهنا فتحنا الحديث حول الدولة.. وكم كان الدكتور مفاجئا عندما صرح لي: إننا لم نستطع بعد من إحداث التغيير الحقيقي في جوهر الدولة.. مؤكدا أن القيم والمعايير الدينية يجب أن تصل إلى تفاصيل الحياة المعاشة للمواطن لكي يدرك حجم رحمة الله به “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”.

قادني الحوار مع الدكتور أمين عمر إلى تأمّل تجارب العمل السياسي الاسلامي لاسيما في عقده الأخير، حيث اقترب من أبواب الحكم واقتحم العمل في دوائر السياسة في أكثر من بلد عربي.. كيف تصرّفت الحركة الاسلامية فيما قادتها ظروف للوقوف أمام أبواب السياسة في مراتبها العليا أي الحكم؟ وهل امتلكت الحركة الإسلامية تحوُّلا نفسيا كافيا لنقلها إلى مستوى الحكم والتسيير المجتمعي؟ ثم ما هو المنهج الذي سيتجلى في حكم الاسلاميين في المجالات العديدة التي تشكل عناصر الحياة للمواطن، أي ما هو مبرر تقدمهم نحو الحكم.؟

منذ انطلقت الحركة الاسلامية بعد سقوط الخلافة العثمانية، كان واضحا أنها تريد أن تملأ فراغا على صعيد سقوط المؤسَّسة التقليدية، رغم أن الخلافة العثمانية في أواخر عهدها لم تكن تشمل القطاع الواسع من الأمة وبلغت من الترهل والعجز والجمود مدى بعيدا.. وكان واضحا أن الحركة الاسلامية انبعثت بشحنات عاطفية كبيرة وبأفكار عامة هي أقرب لشعارات تصلح أن تكون بوابة للدعوة، وجاء التنظيم واشتراطات الالتزام فيه لتغلق على العقل إمكانيات الاجتهاد وتتصدى لحق الاختلاف والتنوع، ولهذا حرمت الحركة الاسلامية من تولّد عملية إنتاج الأفكار المتجددة لم تُحدث في عقلها عملية تفكير ضروري حول تغير الأدوات وتعديلات الخطاب في ظل سياق معلوم الغايات والأهداف وعملية فهم للدين الذي أنزله ربنا رحمة للناس، ماهو الأصيل فيه وما هو غير ذلك.. ولقد أثمر جهد الحركة الاسلامية على صعيد إحياء مشاعر الهوية والتصدي لعمليات زعزعة يقين الناس بالدين وأوجد مرحلة الدعوة مفردات ورموزا وأوضاعا، الأمر الذي قاد الجموع الاسلامية إلى حراك في أماكن التدافع في الجامعات والنقابات.. وكان انتماء الناس وتقديسهم لدينهم هو الخزان الذي يمدّ الحركة الاسلامية بالانتشار والحضور.. فأصبح تمدّد الحركة الاسلامية في المجتمعات العربية يمنع بشكل واضح انهيار المجتمع الاسلامي أمام موجات الانحراف الفكري والأخلاقي.. وهذا كان من شأنه أن يدفع  بالحركة الاسلامية إلى الواجهة لتصبح لاعبا أساسيا في المسح السياسي، إلا أن الأزمة تظهر هنا من جديد، ما هي لغة المرحلة الحالية التي تمر بها؟ ما هو المتبدل والثابت من مرحلة إلى أخرى؟ وكيف يمكن تحديده؟ بمعنى واضح ما هي معالم فقه كل مرحلة وفتاوى كل مرحلة في السياسة والثقافة والخطاب والاجابات؟ هنا نكتشف أننا أمام حركة لا تُحسن استقبال المراحل، وإنما ترغم على ولوجها وتدفع في لحظة الانتقال أثمانا باهظة، وتتسرب إلى أذهان البعض مسألة الثبات على المواقف كأنها أمر إلهي في زمان ومكان محدد قطعي الدلالة.. ويصبح الالتصاق بالمقلات والشعارات السابقة مجالا للمزايدة ومعيارا للمبدئية، الأمر الذي يجعل من المعارضة حالة من العدمية والإبحار بعيدا عن سبيل النجاة.

تأتي مرحلة الحكم ليقتحمها الاسلاميون اقتحاما غير مترّيثين ولا متدبرين، فكانت نتيجة ذلك أن فشلا كبيرا لحق بالشباب وصورة مشوّهة للحركة الاسلامية تتسرب إلى أذهان العامة..

هنا كان ينبغي إطلاق العقل إلى أبعد مدى لأن المسألة تعني المعيشة والحياة وما فيها من تدافع وحكمة، وهي مناط التكليف الالهي للانسان المأمور بالسعي في الدنيا  يقول تعالى: “ليس للإنسان إلا ما سعى” وهذا يعني بوضوح أن عليه البحث عن كل سنّة وسبب للانتصار وأن يسلك أيسر السبل يقول تعالى: “إن الله يريد بكم اليسر” وأن تكون الرحمة هي الباعث النفسي والقيمي وأن يكون الرفق هو حامل الأفكار والسلوك: “اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا ليِّنا…”.

ما كان ينبغي الانتقال إلى واجهة المعارضة بمنطق التضاد والتصادم، إنما بمنطق التفاعل والبحث عن قواسم مشتركة والبناء عليها وفهم عميق للتحديات المطروحة على الشعب والأمة والتفكير العميق في ما هو ممكن فعله والابتعاد عن الترويج لأفكار براقة، ولكن العلم يقول بعدم واقعيتها في المرحلة المعينة زمانا ومكانا.

ولسبب أو لأخر أصبحت المعارضة ممارسة صراعية مع نظام الحكم في غياب أي احتمالات للمصالحة والهدنة والعمل المشترك في مجالات عديدة وتأمل ذلك وما يمكن أن ينفع مستقبل الاسلام والناس، وفي قصة يوسف عليه السلام مع الملك عندما لاحت في الأفق تحديات المجاعة، وكيف تقدّم يوسف بمنهجيته العلمية ووضع الخطط  لتفادي كارثة تحيق بالناس ولم يرد في القصة كثيرُ حديث من قبل النبي يوسف عن مفردات دينية، إنما كانت الرسالة تفيد تماما أن انقاذ الناس من الموت جوعا إنما هي من صميم الرسالة “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”.. وهنا من جديد تبرز الروح التناحرية والهروب دوما بفلسفة تطهّرية تصلح للشعراء والفلاسفة ولكنها ليست منهج الأنبياء وقادة مشاريع التغيير الحضاري.. فمهمة الأنبياء عليهم السلام ومن سار على أثرهم إنما هي الاصلاح.. إصلاح حياة الناس لينتقلوا من جوع إلى إطعام، ومن خوف إلى أمن، ومن ضيق إلى سعة، ومن هوان إلى كرامة..

لقد اجتازت الحركة الاسلامية مرحلة المعارضة بدون رؤية ولا منهج أو ربما بمنهج ليس له علاقة بسماحة الإسلام ومعالم الهدى والرحمة.. وعندما وجدت نفسها في الحكم أو قريبا منه التبس على الكثيرين من أبنائها أنهم منصورون، كونهم مسلمين، وكونهم يرفعون راية الاسلام فغضّوا الطرف عن ضرورة إيجاد الأفكار الحية التي تمتد إلى عامة الناس بالخير وتحمي الفضيلة والاصلاح، وترسي معالم منظومة قيم تتعشقها الضمائر وترنو إليها القوب.. تأتي مرحلة الحكم ليقتحمها الاسلاميون اقتحاما غير مترّيثين ولا متدّبرين، فكانت نتيجة ذلك أن فشلا كبيرا لحق بالشباب وصورة مشوّهة للحركة الاسلامية تتسرب إلى أذهان العامة.. إن المراجعة هنا ضرورية ومن جديد أشعر بقيمة وجودي في السودان لأطرح هذه الأسئلة على قادة الحركات الاسمية في الوطن العربي.. وتولانا الله برحمته.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!