الجزائر
نائب رئيس البرلمان الأندونيسي سابقا المفكر أنيس متّى لـ "الشروق": / الجزء الأول

الإسلاميون يبرّرون فشلهم بالمؤامرة .. والغرب لا يرفض الإخوان

الشروق أونلاين
  • 3544
  • 0
الشروق
المفكر الإسلامي الإندونيسي الدكتور أنيس متّى

يرفض المفكر الإسلامي الإندونيسي الدكتور أنيس متّى تعليق فشل “الإخوان المسلمين” على مشجب المؤامرة، مع إقراره بوجودها، معتبرا أن هؤلاء قد أخطأوا في تريب الأولويات الوطنية، في بلد بحجم مصر، وأهميته الجيوسياسية في المنطقة، حيث يرى أن الغرب يقبل عموما بالإسلاميين في السلطة، شريطة أن لا يصطدموا بمصالحه الحيوية.

وفي حوار مع جريدة “الشروق”، حمّل رئيس حزب العدالة والرفاهية، الواجهة السياسية للإخوان في إندونيسيا، النخب العربية بكل أطيافها مسؤولية الأوضاع المأساوية التي تعيشها بلدانهم اليوم على وقع “الربيع العربي”، مؤكدا أن تكوينها الثقافي والنفسي لا ينسجم مع روح التعايش والحوار والتعاون مع الآخر  .

ومن موقع خبرته في الشؤون الإستراتيجية، بحكم تكوينه في الكليات العسكرية بجاكرتا، أوضح نائب رئيس مجلس الشعب الأندونيسي سابقا، أن التقسيم واحد من الأدوات الأساسية في مشاريع الهيمنة الدولية، وليس ظاهرة خاصة بالوطن العربي، فقد عرفتها الصين وروسيا وأمريكا اللاتينية، لكنها فشلت، بفعل الوعي السياسي لنخبها الوطنية، وهي الآن – برأيه – تشقّ طريقها بثبات في المنطقة العربية، بسبب القابلية الفكرية للتقسيم .

ما يجري اليوم في الوطن العربي من أحداث دامية، هل هو من تداعيات “الربيع المشؤوم”، أم هو من مظاهر “مشروع التفتيت” الغربي المبرمج في المنطقة؟

هناك أسباب رئيسية موضوعية كانت هي المحرك الفاعل للأحداث في المنطقة العربية، وهي الظلم والفقر، فواقعة محمد البوعزيزي الشهيرة هي نتيجة منطقية لظلم وفقر استمرّا طويلا، وبعد ما بلغا مداهُما كان لابدّ من مرحلة الانفجار، وفي ذات التوقيت الذي اندلعت فيه “الثورات”، حدث شيء مهم على المسرح العالمي، وهي حالة التفكك على مستوى النظام العالمي الجديد، لأسباب كثيرة ليس مجال تفصيلها الآن، إذن حصل ما يمكن أن نسميه ظاهرة الانفلات، بحيث أن أمريكا لم تعد قبضتها على المنطقة مثل ما كانت عليه قبل 40 عاما، وضعُ الانفلات هو الذي سمح لحادثة البوعزيزي أن تحرق المنطقة كلها، ولكونها مثّلت تاريخيا مسرحا للصراعات الدولية، فقد كانت لقمة جاهزة للتدخلات الخارجية، وفاقم ذلك خطأ النخبة العربية، فاجتمعت بذلك الأسباب الخارجية والداخلية.

عفوا على المقاطعة… فيم أخطأت النخبة السياسية والفكرية في سياق “الربيع العربي”؟

نعم… كلّ النخبة العربية بكافة اتجاهاتها ومشاربها أخطأت، حينما حوّلت انتفاضة الشباب من ثورة فقراء ومظلومين إلى صراع أيديولوجيات، بين الإسلامي والليبرالي، واليميني واليساري، لكنها في الحقيقة لم تكن لأجل هذا، وعليه فأنا أعتقد أنه مهما تمّ تحويلها إلى صراع آخر، فإن هذه الثورة ستستمر لمدة جيل واحد، لأنّ أسبابها موضوعية، وهي التي أرادت مصالح القوى العالمية المتصارعة ركوبها، فمن كان يظنّ مثلا أن روسيا التي غابت عن المنطقة لعقود، تحضر فجأة بطائراتها، بمعنى أن خطأ النخبة العربية سهّل مهمة القوى الكبرى في التدخل وتعميق الجروح في المنطقة، ومن ثمّ جعلها مسرحا للصراعات العالمية، هذه الأسباب مجتمعة هي التي ستطيل عمر هذه الثورات.

لكن البعض يتحدث عن تقارير حقيقية لتفتيت المنطقة، هل ترى أن مشروع التقسيم يخدم فعلا مصالح الغرب على الصعيد الاستراتيجي والاقتصادي والأمني؟

ينبغي أن ندرك أوّلا أن خطة التقسيم ليست محصورة في الوطن العربي، لأنها جزء من إستراتيجية الهيمنة الدولية، وبالتالي فهي تهدف إلى تفكيك كل القوى الكبيرة، حتى تُختزل في دول صغيرة، ثم دويلات متناحرة، مع منعها من التحالفات فيما بينها، وهذا من أجل استمرار هيمنة الدول العظمى، وعلى هذا الأساس، فإن خطط التقسيم موجودة في المشرق والمغرب العربيين، مثل ما هي مهيّأة لإفريقيا وآسيا، وجنوب شرق آسيا، بل وفي الصين أيضا، وهي خطة قديمة منتهجة منذ الحرب الباردة ومستمرة إلى الآن، غير أنها تنجح بسهولة في المناطق التي تتوفّر على قابلية للتقسيم، بينما تخفق في سواها، وهنا أتساءل: لماذا لا تنجح محاولات التفكيك في الصين، مع حجمها الجغرافي والديمغرافي، وفي ظل توافر عوامل التفكك، ببساطة، لأنّ النخبة الصينية  تعلم جيدا أنها مستهدفة، فتنظر إلى القضية بوعي عميق، وتستشرف انعكاساتها المستقبلية، فتضع خطة المواجهة من البداية، لذا فشلت الحركة الانفصالية في الأويغور، لأنّ النخبة الصينية تعي جيدا أنها كدولة قوية ومرشحة لتكون قائدة المنظومة العالمية الجديدة، فهي مستهدفة من منافسيها، نفس الشيء ينطبق على روسيا حتى بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، لأنّ فلاديمير بوتين  يعي كذلك بأنّ بلاده محلّ استهداف، وهو الآن يحمي روسيا بطريقة ذكية، حيث يتعمّد بناء وتنمية كل منطقة تضم حركة انفصالية، مثلما فعل في الشيشان، حتى ينزع أسباب الانقسام، ما أدى في النهاية لخروجها من مشروع الانفصال، وأعتقد أنّ بوتين سيبْني جزيرة القرم بعد استرجاعها لأحضان روسيا، كإستراتيجية لتأمين الحدود، لكن في مقابل هذا، أطرح السؤال التالي: لماذا تسير خطط التقسيم في طريقها نحو النجاح في المشرق العربي، لأن هناك قابلية، من حيث التركيبة المجتمعية، النفسية والثقافية لشعوب المنطقة، والأخطر هو نسبة الوعي السياسي لدى مكونات النخبة.

هل تعتقد أنّ إشكالية الوعي كمؤثر في القابلية للتقسيم أقوى، أم الأسباب الذاتية، لأنّ بعض المخابر الغربية تنظّر للتفكيك، بالتأكيد على التشكّل الحديث لدول المشرق العربي بطريقة خاطئة بعد سايكس- بيكو؟

في الحقيقة أنّ مشكلة التفكك قديمة في المنطقة، لكن الذي أقصده هو نقص الوعي السياسي بين أطياف النخبة، الأمر الذي عقّد عملية الحوار والتصالح الوطني، ما يدل على أنّ الغالب في التقييم الفكري هي النظرة المؤامراتيّة للغير، والاحتماء بالهوية الضيقة داخل المنظومة الثقافية والقبلية، هذا المنظور القاصر في فهم الواقع، يدفع بالنخبة إلى تقديم الخوف من الاختراق على الحاجة إلى الاستقطاب، يحدث هذا لدى كل النخب الأيديولوجية الإسلامية منها، والقومية والليبرالية واليسارية، وهذا هو مفتاح الدخول لمخطط التقسيم.

ما هي الخلاصة بهذا الصدد؟

أرى أنه إذا ما تمّ تحويل ثورة الفقراء والمظلومين إلى انتقال مؤسّسي مدروس وتدريجي، من خلال استحداث منظومة سياسية، اقتصادية واجتماعية جديدة في المنطقة، وهنا أعود مرة أخرى للنموذج الصيني، عندما نجح في التحول من النظام الشيوعي إلى المنظومة الرأسمالية، حيث تمكّنوا من الانتقال الأيديولوجي مع المحافظة على الوحدة المؤسّسية بين النخبة، السرّ في ذلك هو مستوى الوعي الصيني.

الدكتور أنيس… ما تفضّلت به مقبول جدا، ويتقبّله العقل والمنطق والواقع، لكن وأنت محسوب على النخبة الإسلامية، هل يدرك الإسلاميون مثل هذه المخاطر، والأهم هل وضعوا أنفسهم في منأى عن أدوات التقسيم؟

في موضوع النخبة الإسلامية، علينا الاعتراف بأنها جزء من التركيبة الثقافية لشعوب المنطقة، وبالنهاية هي في نفس مستوى الوعي لدى التيارات الأخرى، لأنهم في الأصل منتوج بيئة واحدة وثقافة متماثلة، فما يقال عن هذه النخبة هو ذاته ما ينطبق على سواها.

لكن النخبة الإسلامية ستتحمل من الناحية التاريخية، السياسية والأخلاقية  المسؤولية الأكبر، باعتبارها تؤطّر التيار الغالب في الشارع العربي؟

الانشقاق الأيديولوجي داخل المجتمعات العربية هو حالة قديمة في الأصل، لكن مع ذلك، فهي فعلا تتحمل جزءا كبيرا من مآلات الأوضاع بلا شكّ، غير أنه لا يمكن أن نغفل عدّة إفرازات موضوعية أخرى لا يُعقل تحميلها للإسلاميين، بل هي نتاج بقائهم لعقود تحت وطأة الثقافة السلطويّة.

تقصد ما يعرف بـ”ثقافة المحنة”؟

بالضبط، وليس من السهل أن يتخلصوا منها بمجرد حدوث الربيع العربي المفاجئ، ولذلك فأنا أميل إلى القول بتحميل المسؤولية للجميع، بل ليس مشكلة الوقوع في الخطأ، بل الأزمة في عدم الاستدراك.

بناء على كلامك، هل تعتقد أن ما حصل في مصر بعد الإطاحة بنظام الرئيس مرسي، يؤشر على موقف الغرب من وصول الإخوان المسلمين إلى الحكم؟

أنا لازلت أعتقد أن هناك قبولا واسعا للإخوان في أوساط النخبة الغربية، وخاصة الأمريكية منها، لكن الإشكال باعتقادي يأتي من النخبة العربية في الأصل.

لكن أنت هنا بحديثك عن موقف النخب الغربية، هل تعني بها الأكاديمية والفكرية، أم السياسية التي تدير شؤون القرار الدولي؟

كلامي يشمل النخبة بمفهومها الواسع، حتى داخل البيت الأبيض الأمريكي، فإن النخبة السياسية، جمهورية كانت أو ديمقراطية، لديها قبول بالتعايش مع الإسلاميين، لاسيما بالنسبة للتيار الثاني، فهم يدركون أن حضور “الإخوان المسلمين” أمر يفرضه الواقع، لكن تبقى مؤثرات النخبة العربية نفسها هي القوية، ثم العامل الآخر، وهو ممارسات حكم مرسي خلال سنة واحدة من عمره، فلا يصحّ أن نفسّر ما وقع في مصر منذ 30 يونيو، ثم 3 يوليو 2013 بمحض المؤامرة، بل يجب التأمل في الأحداث من منظور النقد الذاتي، مع أن المؤامرة قائمة في تلك التجربة المريرة، والتي لن يستفيد منها أي طرف، سواء داعمي الانقلاب داخليا وخارجيا، ولا السلطة الحالية، لأن المحصلة ستكون تخريب البلد.

أشرتم تلميحا إلى أخطاء حكم مرسي، سؤالي إليكم: لماذا نجحتم أنتم في أندونيسيا وتفوّق أردوغان في تركيا، بينما رسب الإخوان المسلمون في مصر في التفاعل مع الواقع الداخلي أو المناورة الدولية؟

لأن موجة “الربيع العربي” جاءت مفاجئة، لم تكن بتخطيط الإخوان ولا أي جهة أخرى من أطراف القوى الموجودة في مصر وخارجها، بل أتت كنتيجة لظلم وفقر استبدّ بالشعوب طويلا مثل ما أسلفت لك، ماذا أقصد بهذا، هو أن الفرصة جاءت سانحة للإخوان قبل الجاهزية السياسية، فهم كانوا بعيدين عن شؤون السلطة ومشاركاتهم النيابية في عهد مبارك تبقى هامشية في منطق إدارة الدولة، هذا الوضع يؤدي إلى نوع من الاضطراب  في الممارسة، انطلاقا من طريقة وزاوية تقييم الانتصار الانتخابي، وأظن أن من أهم أخطاء الإسلاميين في التعامل مع نتائج الربيع العربي هو اعتقادهم بأنّ النصر السياسي لأحزابهم هو دعم واختيار للمشروع الإسلامي.

وهو في القراءة السليمة غير ذلك؟

لم يكن كذلك، مع أن هناك شرائح واسعة تدعم المشروع الإسلامي، لكن بشكل عام، الحدث هو أمل الفقراء والمحرومين، أما فوز الإخوان، فتفسيره هو أنهم أكثر القوى السياسية، تماسكا وتنظيميا وانتشارا في المجتمع، في عزّ الثورة المصرية.

هل تتوافق مع الرأي المتحفظ على تقدم “الإخوان” لسباق الرئاسة، بدل الاكتفاء بالأغلبية النيابية…؟

لا أظن أن الخطأ كان في التقدم للرئاسة، بل في تحديد الأولويات، في بلد بحجم مصر، وأهميتها الجيو-إستراتيجية، وبالنظر للمحنة التاريخية الطويلة التي عاشها الإخوان، كان من الأولى للحكم الجديد، في زمن الربيع العربي، العمل على توحيد النخبة المصرية.

 ماذا يعني ذلك من الناحية العملية…؟

أي أن القوى الفعلية في البلد ليست فقط هي الأحزاب، بل هناك مؤسسة الجيش، ومؤسسات الدولة العميقة، ورجال الأعمال، والنخبة الاقتصادية، وقوى سياسية أخرى، خصوصا أن الإخوان تغلب عليهم النخبة الأكاديمية، فكان من المهم بمكان، أن يؤسسوا لشراكة إستراتيجية بأي شكل من الأشكال، سواء في توزيع السلطة، أو من خلال ميثاق وحدة في أوساط النخبة، وهذا سوف يستغرق وقتا ليس بقصير.

لكن الإخوان أكدوا مرارا أنهم سعوا لتجسيد هذه الأفكار، لكن الآخرين رفضوا وجودهم أصلا…؟

صحيح أنّ ظاهرة الإقصاء موجودة، وأنا أحسّ بأثرها، لكن يجب أن تؤخذ كعائق، نحن في إندونيسيا مثلا، خلال العهد الجديد بعد سوهارتو، استغرق الأمر على الأقل عشر سنوات، فقط لتثبيت الاستقرار السياسي، هذا الأخير يحتاج لإدارة انتقال ديمقراطي مؤسّسي، وهو ما لا يتم إلا عبر توحيد النخبة بكل أطيافها، حيث تكون أول المتطلبات هي تعديل الدستور والإصلاح القانوني، وهو ما يحتاج إلى سعة أفق و تأطير فكري عام، وأي نزعة للصراع الأيديولوجي، سوف تثير مخاوف مكونات النخبة من الدخول في أي حوار وطني.

دكتور أنيس… أشرت من قبل إلى قبول الغرب بالإخوان، لكن هناك من يرى أن القوى الدولية تريد إسلاميين على مقاسها، وليس وفق مبادئهم وأفكارهم، أي تيّار ينصاع لقواعد اللعبة ويحافظ على مصالح الغرب..؟

 الغرب في العموم لا ينظر للإسلاميين من منطلق أيديولوجي، بل وفق مقاربات مصلحية، ومن الطبيعي أن تكون المصالح ضمن الأولويات في السياسة الخارجية للدول، وأيّ قوة سياسية تبرز في أي مكان، ليس فقط في العالم الإسلامي، يتم تقييمها من منظور التوافق أو التقارب أو التباعد مع مصالح تلك القوى، فلا شيء يثير الخوف لدى الغرب من الإسلاميين على الصعيد الأيديولوجي.

معنى ذلك، أنك لا تؤيد فكرة أن الإسلاميين هم الخطر الحالي على الغرب…؟

لا.. لا، أنا أرفض هذه الفكرة، لأن الإسلاميين عمليا يفتقدون إلى مؤسسة كبرى، يمكن أن تمرر أيديولوجيتهم، وبالتالي تظلّ أفكارهم مجرد منظومة قيم، دون أن تكون مسنودة سياسيا، اقتصاديا وعسكريا.

لكن إذا وصلوا للحكم ستكون تلك الأدوات في متناولهم…؟

يمكن أن يحصل ذلك، لكن ليس بتلك السهولة التي يتصورها البعض، حيث لا توجد منظومة إسلامية واحدة تجمع كل العالم الإسلامي، فحتى لو حكم الإسلاميون في دولة معينة، فستبقى هذه الأخيرة ولمدة طويلة تعيش في حالة قُطرية، خذ مثلا تركيا، هل نجحت في إيجاد تحالف بين الدول الإسلامية، كقوة إقليمية إستراتيجية، مع أن حزب رجب طيب أردوغان يحكم منذ 14 عاما،  لكن ما تشكلت القوة المنشودة، برغم بروز الأجواء المناسبة، لكن كمنظومة مؤسسية لم يتشكل شيء من هذا القبيل.

مقالات ذات صلة