الرأي

الإشاعة والخيانة

عدة فلاحي
  • 2581
  • 4

في زمن الثورة التكنولوجية وعصر الاتصالات أضحت الإشاعة أخطر وأوقع في النفوس والعقول من ذي قبل، والإشاعة سواء أكانت سلبية أو إيجابية فتبعاتها في كل الحالات تكون مرهقة ومكلفة لصاحبها سواء أكان فردا أو جماعة، ولم تعد الإشاعة في هذا العصر تقتصر على عوام الناس أو حتى من هم أعلا من ذلك بقليل أو كثير وإنما أضحت تطال حتى كبار القوم ورجال الحكم بمن فيهم زعماء البلاد أنفسهم بل وقد تعرض لها من قبل حتى الأنبياء، وما حادثة الإفك عنا ببعيد ما دامت آياتاتها محفوظة في كتاب الله الذي نتلوه صباح مساء، والذين يسلكون هذا المسلك بالتأكيد لهم مصالح ومآرب تدفعهم لاختلاق الأشياء والوقائع من العدم وإلصاقها بالشخص أو الجماعة التي يريدون إلحاق الضرر بها، والأدوات التي أصبحت تنفذ هذه الوصفة الجهنمية هم على تفاوت في المراتب المادية والمعنوية، قد يكونون من البلطجية والصعاليك أو من رجال الدين والسياسة أو من رجال الأمن وزمرة الإعلاميين والمثقفين الكتاب من الذين باعوا ضميرهم للشيطان كما يحدث هذه الأيام في مصر من طرف الذين انتهكوا حرمة الشرعية الشعبية والدستورية في شخص رئيس الجمهورية المنتخب الذي اتهم بالباطل في عرضه وفي أمانته على الوطن الذي تحول إلى خشبة للراقصات وألاعيب سحرة فرعون العنصرية.

 لا داعي لذكر العديد من الفواجع والمواجع التي راح ضحيتها بعض الأبرياء نتيجة الدسيسة والإشاعة المنكرة ونكتفي ربما كنموذج بما تعرض له الأستاذ أحمد توفيق المدني خلال فترة الاستعمار الفرنسي، فهو يروي في كتابه “رد أديب على حملة أكاذيب” واحدة مما تعرض له من دسيسة خسيسة للنيل من مكانته وسمعته بين أصحابه من جمعية العلماء المسلمين والشعب الجزائري عموما، فقال “هذه ثالثة الأثافي، فالكتاب الخبيث التحريف والتزييف ينقل عن مؤلف فرنسي هو الجنرال هنري جاكان، في كتابه الذي يحمل عنوان الحرب الخفية في الجزاء” قوله: “آخر سكرتير للعلماء توفيق المدني تونسي متجنس بالجنسية الفرنسية، يتغازل طويلا مع ديوان الوالي العام مسيو سوستيل، ويعرض نصائحه وخدماته الطبية، وفي يوم من أيام 1956 اختفى ليلتحق بالقاهرة، وأصبح وزيرا فيها جبهة التحرير”، نعم اتهم الأستاذ المدني في انتمائه القومي لدرجة التخابر مع اليهود وفي طبيعة علاقة الود التي كانت بينه وبين ديوان الوالي الذي كان يقمع الجزائريين وفي النهاية ختامها الاستوزار، ولكن لم يقف المدني الذي ضاق محنة السجن والمطاردة مكتوفة الأيدي ويلتزم الصمت ويدعي التعفف عن الرد كما يفعل البعض، فهو صاحب قلم ويعرف كيف يدافع عن نفسه وعن نزاهته وإخلاصه لوطنه وللمبادئ التي آمن بها والتي جاءت في ميثاق جمعية العلماء لمسلمين وبيان أول نوفمبر، ولكن حملة التشكيك مثل هذه تهدف لخلق الإرباك وفقدان الثقة بين صفوف الوطنيين الأحرار والشرفاء، هذا ومثله حدث ويحدث للأمير عبد القادر الذي نسب له الانتماء للماسونية من طرف جهات أجنبية تسعى لتشويه رموزنا بل وحتى من أطراف داخلية لتثبت بأن الانخراط في الماسونية ليس حراما ولا ممنوعا وهذا لتكسب شرعية وجودها بيننا، ومن قائمة هؤلاء أحد الكتاب والروائيين ممن نحتفي بهم ونفتح لهم المنابر الثقافية والإعلامية لتسويق أفكارهم السرابية بين شبابنا ومثقفينا ومع ذلك نصفق لهم كثيرا ونأخذ معهم الصور التذكارية بسذاجة والويل كل الويل لو كشفنا اسم وهوية هذا الشخص أو غيره كما أطلعني على ذلك الدكتور أبوعمران الشيخ الذي لا أشك قطعا في كلامه، لأن الناس لم تعد تقبل كلمة الحق من أهل الحق وإنما كما قيل قديما “أعذب الشعر أكذبه”، ولكن في كل الحالات تبقى قضية الماسونية حليفة الاندماجية الجديدة التي يعتنقها تقية دراويش الحداثة في بلادنا في حاجة إلى شجاعة وإلى دراية وبيينة كافية للكشف عنها ومقاومتها وإحباط مخططاتها بعيدا عن الإشاعة قبل فوات الأوان.

.

 

*كاتب وبرلماني سابق 

مقالات ذات صلة