الرأي

الإمام القرضاوي في مئويته .. مئة عام من الميلاد وحضور لا يغيب

أ.د. عصام البشير
  • 120
  • 0

تمرّ مئة عام على ميلاد شيخنا الإمام العلامة يوسف القرضاوي، رحمه الله تعالى، وليس من الوفاء له أن نجعل هذه المناسبة وقفةً عند تاريخ مضى، أو ذكرى لرجل طواه الغياب؛ فقد كان من أولئك العلماء الذين تتجاوز أعمارهم حدود الميلاد والرحيل، لأنهم يودعون في حياة أمتهم من العلم والفكر والعمل ما يمدّ في أعمارهم، ويجعل حضورهم باقيًا ما بقيت كلمة تهدي، وفكرة تبني، وموقف ينتصر للحق.

لقد غاب شيخنا عن الأبصار، ولكنه لم يغب عن البصائر؛ فما تزال كتبه مفتوحة بين أيدي طلاب العلم، وأفكاره حاضرة في مجالس الفقه والفكر والدعوة، ومواقفه تتردد في ميادين الأمة، ومنهجه يمدّ أجيالًا متعاقبة بأسباب الفهم الرشيد والنظر السديد.

كان الإمام القرضاوي عالمًا واسع الأفق، لم يحبس نفسه في زاوية من زوايا المعرفة، ولا في باب واحد من أبواب الشريعة؛ بل طاف في رحاب الإسلام كله: فقهًا وأصولًا، ودعوةً وتربية، وفكرًا وحركة، واقتصادًا وسياسة، وأدبًا وشعرًا، وقضايا أمة ومستقبل حضارة. وقد أعانه على ذلك عقلٌ لماح، وذاكرة حافظة، وهمة لا تعرف الفتور، وقلب كبير حمل همّ الإسلام وأوجاع المسلمين في المشارق والمغارب.

ولم يكن غزير الإنتاج فحسب، وإنما كان صاحب مشروع تتساند أجزاؤه، ويشدّ بعضها بعضًا. فمن فقه الحلال والحرام إلى فقه الأولويات، ومن فقه الزكاة إلى فقه الدولة، ومن الحديث عن الصحوة الإسلامية إلى الحديث عن النهضة الحضارية؛ كان ثمة خيط ناظم يجمع ذلك كله: أن يُفهم الإسلام في شموله، وأن يتصل النص بالواقع، وأن ينتقل العلم من صفحات الكتب إلى حياة الناس، وأن تستعيد الأمة وعيها برسالتها وموقعها ودورها.

ومن أجلّ ما تعلمناه من شيخنا أنه لم يكن يريد لتلاميذه أن يكونوا نسخًا مكررة منه، ولا حواشي تدور على متنه؛ وإنما أراد لهم أن يتتلمذوا على المنهج لا على المذهب، وأن يأخذوا عنه أصول النظر لا مجرد نتائج النظر. علّمنا أن نوقر العلماء من غير تقديس، وأن ننتفع بالتراث من غير جمود، وأن ننفتح على العصر من غير ذوبان، وأن نجمع بين النقل الصحيح والعقل الصريح، وبين فقه النص وفقه الواقع، وبين ثبات المقاصد ومرونة الوسائل.

وكانت الوسطية عنده روحًا تسري في فكره كله، لا شعارًا يُرفع عند المناسبات. فهي وسطية العلم الذي يتجنب الجمود والانفلات، ووسطية الفتوى التي تتنزه عن التشدد المضيّق والترخص المميّع، ووسطية الدعوة التي تجمع ولا تفرق، وتبشر ولا تنفر، وتعرف للزمان والمكان والإنسان أثرها في الفهم والتنزيل. وقد نذر لهذه الوسطية عمره، وأعطاها فكره ووجدانه ولسانه وقلمه، حتى غدت إحدى السمات الكبرى التي عُرف بها مشروعه في العالم الإسلامي.

وكان الإمام، مع غزارة علمه وامتداد تأثيره، قريبًا من الناس، حيّ العاطفة، سريع الدمعة، وفِيًّا لأصحابه، متفقدًا لتلاميذه، يحمل من روح المربي والأب ما يسبق أحيانًا حديث الفقيه والعالم. وما كان علمه حاجزًا بينه وبين الناس، بل كان جسرًا إليهم؛ يأنسون إلى حديثه، ويجدون في مجلسه مهابة العلم ودفء المودة، وقوة الحجة ورقة القلب. وتلك خصلة لا تجتمع إلا لمن زكّى العلمُ نفسَه، ولم يزده اتساع المعرفة إلا تواضعًا ورحمة.

ولم يعش شيخنا بعيدًا عن آلام أمته ومعاركها؛ بل كان حاضرًا في قضاياها الكبرى، منحازًا إلى المظلومين، مناصرًا لحق الشعوب في الحرية والكرامة، ثابتًا في نصرة فلسطين والمسجد الأقصى، لا يساوم في حق، ولا يخشى في الله لومة لائم. وقد دفع ثمن مواقفه تضييقًا وافتراءً وهجومًا، ولكنه مضى في طريقه مستعليًا بإيمانه، عالمًا بأن ميراث الأنبياء لا يُحمل في مواكب السلامة، وأن كلمة الحق لا بد أن يكون لها ثمن.

إن الاحتفاء بمئوية الإمام القرضاوي لا ينبغي أن يقف عند الثناء على شخصه، مهما كان جديرًا بالثناء، وإنما يكون الوفاء الحق بإحياء مشروعه، واستكمال ما بدأه، وتنزيل أفكاره على أسئلة عصرنا وتحولاته. فالمناهج الحية لا تُحفظ بالترديد، بل تنمو بالنقد والإضافة والتجديد؛ والتلميذ الوفي ليس من يقف عند آخر خطوة خطاها شيخه، وإنما من يبدأ منها، ويحمل المشعل إلى آفاق جديدة.

إن بين أيدي الأجيال القادمة تراثًا غنيًّا يحتاج إلى قراءة واعية، تستخرج كلياته، وتجمع شتاته، وتوازن بين اجتهاداته، وتحوّل أفكاره الكبرى إلى مؤسسات وبرامج ومشروعات. فما أحوج أمتنا اليوم إلى فقه الأولويات في زمن اختلال الموازين، وفقه الموازنات في زمن الاستقطاب، وفقه المقاصد في زمن الجمود على الصور، وفقه السنن في زمن استعجال الثمرات، وإلى ذلك العقل الجامع الذي يصل بين هداية الوحي وحركة الواقع.

في مئوية شيخنا، لا نقف عند ضريح رجل غاب، بل نقف أمام مدرسة ما تزال أبوابها مفتوحة، ودوحة ما تزال ظلالها ممتدة، ونهر من العلم ما تزال الأجيال تغترف منه. لقد مضى الإمام إلى ربه بعد عمر حافل بالبذل والجهاد والاجتهاد، وبقيت في الأمة كلماته ومواقفه وتلامذته ومؤسساته؛ شواهد صدق على حياة لم تعش لنفسها، بل عاشت للإسلام وأمته والإنسان.

رحم الله شيخنا الإمام يوسف القرضاوي رحمة واسعة، وجزاه عن العلم وأهله، وعن الدعوة ورجالها، وعن الأمة وقضاياها خير الجزاء، وبارك في ميراثه، وألهم تلامذته ومحبيه حسن الوفاء له: علمًا يُستثمر، ومنهجًا يُطوّر، ورسالةً تُستكمل، ومشعلًا لا يخبو نوره.

فإن كانت المئوية تمام قرن من الميلاد، فإن الأثر الصادق لا تُحصيه السنون، ولا تطويه القرون.

مقالات ذات صلة