الإهمال التام عصف بجسور قسنطينة والسياح في حالة صدمة
عرفت قسنطينة، خلال صائفة 2022، توافدا قياسيا من السياح الأجانب وحتى المغتربين، الذين أصولهم من ولايات أخرى غير قسنطينة.
وجاء هذا التوافد على خلفية ما نشرته صحيفة واشنطن بوست وموقعها الشهير، في تقريرها عن عملاق السياحة النائم، وخصت قسنطينة بكلام مدهش، كما كان لروبورتاج أورو نيوز عن قسنطينة الذي تم بثه في أواخر شهر جويلية بوصفها واحدة من عجائب الدنيا ومدينة التاريخ والجغرافيا، أثر على الكثير من الأوروبيين ومن جنسيات أخرى الذين زاروا المدينة، ناهيك عن جماعة “اليوتوبور” المصريين الذين زاروا جميعا المدينة والتقطوا صورا ساحرة فيها وعنها.
لكن، ما أفسد هذا الإشهار المجاني للسياحة في قسنطينة والجزائر، هو الصورة البائسة التي ظهرت بها هذه الجسور، حيث تحولت سفوحها إلى مزابل عمومية كما هو حال جسر الملاح أو جسر المصعد، الذي صار المرور عبره، مُنفّر للسائح، كما انفجرت العديد من قنوات الصرف الصحي، وتحوّلت إلى ما يشبه الشلالات القذرة، وهو حال جسر باب القنطرة المغلق في وجه حركة المرور منذ شهرين بسبب انزلاقات أرضية سببها التسربات المائية القذرة، وتجمّد مشروع تطهير وادي الرمال الذي أصابه الجفاف وأيضا التلوث، وحوّل المرور عبر بعض الجسور مخاطرة صحية، كما هو حال جسر الشيطان الذي ترجم حالة الجسر التي تحتفظ بجمالها دون لمسة الإنسان،إذ لم نجد هيئة تشرف عليها في قسنطينة، لأجل سؤالها عن الوضعية التي تتوجد فيها، حيث نفت بلدية قسنطينة ومديرية البيئة ومديرية الأشغال العمومية أن تكون هي المسؤولة المباشرة عنها، إلى درجة أن شابا مجهولا، أحضر معه الطلاء الأسود وقام عل مدار ساعات طويلة، بصبغ كامل جسر سيدي مسيد المعروف بـ”قنطرة الحبال”، دون أن يجد من يسأله ماذا تفعل؟
“الشروق” نقلت انشغال المواطنين والسياح وتأسفهم، إلى عدد من الناشطين في العمل الجمعوي المتصل بمدينة الصخر العتيق، ومنهم الأستاذ محمد العطافي رئيس تنسيقية المجتمع المدني بولاية قسنطينة، الذي تذكر ماضي قسنطينة القريب، عندما كانت تتحصل على جائزة أحسن ولاية نظيفة على المستوى الوطني، بإمكانيات تكاد تكون منعدمة وبعزيمة رجال على رأسهم رئيس بلدية سابق وهي اليوم – بحسبه – تتألم في صمت رهيب بوسائل بشرية ولوجيستيكية معتبرة، وهي عاجزة عن تنظيف الأحياء السكنية فما بالك بسفوح الجسور التي أصبحت مفرغات عمومية، وسجل غياب أي برنامج أو خطة لتخلص قسنطينة من هذه الوضعية المزرية والجميع مسؤول بحسبه في ما أسماه بالكارثة، وضرب مثالا عن سنوات مضت عرفت جسور قسنطينة عدة عمليات تنظيف، أشرفت عليها تنسيقية المجتمع المدني، مع نخبة من السكان وهناك مبادرة قام بها البروفيسور بن قادري رحمه الله بعد عشرات الساعات من التنظيف من جبال من الأوساخ مع تجنيد آلات عملاقة وبمشاركة عناصر من الجيش والحماية المدنية، ولم تمض أياما قليلة حتى عادت هذه المناطق إلى حالتها، مما يبرز نقص وربما انعدام ثقافة النظافة أصلا. ويرى الأستاذ العطافي بأن الحل يكمن في الردع طالما أن المواطن يفرغ القمامة والردوم في أي مكان شاء دون التطبيق الصارم للقانون وستستمر العملية والسقوط، وعلى الجمعيات والمواطنين والأسرة والمدرسة والكشافة مواصلة العمليات التحسيسية، وعلى المجلس الولائي إعادة إحياء التطوع والتوعية حتى تظهر جسور سيرتا بكامل سحرها.
أما الدكتور عبد السلام يخلف أستاذ جامعي وناشط في شئون سيرتا القديمة فكان أكثر تشاؤما وغيظا عندما قال بأن مدينة قسنطينة وسكانها ومسؤوليها يعيشون نوعا من انفصام الشخصية، بخصوص النظرة إلى الجسور، التي تتوزع في المدينة بسحر رباني بديع، مستعملين جميعا الجملة المكررة “قسنطينة مدينة الجسور” ومفتخرين ومتباهين بهذه الجملة أمام الشعوب الأخرى وأمام ساكني المدن الأخرى.
والإشكال الذي نراه يوميا كما يقول الأستاذ عبد السلام يخلف للشروق اليومي، هو الحالة التي تتواجد عليها هذه الجسور التي بني بعضها بالحجر وبعضها الآخر بالمعدن. وأكبر هذه الجسور وأجملها هما جسر سيدي مسيد (المعلق) وجسر سيدي راشد اللذين شيدا عام 1912 أي منذ أكثر من قرن.
ويتم تغيير حبال جسر سيدي مسيد كل مرة، وتم طلاؤه منذ مدة لكن أرضيته في حالة مزريةـ بحيث تم وضع الأضواء على مدخليه للزينة والتباهي لكن المرض ينخره من الداخل، فأرضية الجسر التي هي بالإسفلت لم يتم تغييرها بل في كل مرة تتم إضافة طبقة أخرى من المواد وبالتالي الأطنان الإضافية على ظهر الجسر.
ولا ننسى أيضا كثافة العربات التي تمر يوميا من هناك، ونبّه قائلا: أظن أن الحركة اليومية والاهتزازات ستؤثر على الجسر ودعاماته داخل الجبل، إضافة إلى الأوساخ المترسبة على حوافه والأتربة وحتى بعض النباتات التي تتعلق بجانبيه، أما جسر سيدي راشد المدهش كما وصفه، فهو معرض للانهيار في أية لحظة بسبب الترسبات المائية وحركة المرور.
ولا وجود لأي اهتمام بدعاماته وقوائمه التي تقف في الأوحال والقاذورات والمياه المتعفنة على غرار جسر ملاح سليمان الذي ينقل يوميا الآلاف من السكان بين ضفتي النهر: فمنظره ساحر وإطلالته على بقايا المدينة القديمة لكنه مسكين يبعث على الحسرة، لأن أرضيته مملوءة بالأتربة والحشائش وعوض أن يطل على أخدود سحيق مبهر فإنه يطل على قمامات ومزابل في كل مكان، حتى أنه لا يمكن للزائر التقاط صورة واحدة لا تظهر فيها القمامة وقد اشتك سياح من الأمر.
وجسر الشيطان أيضا هو أقدم الجسور وأصغرها وله حكايات شيقة ولكنه قريب جدا من الوادي ومياه الصرف الصحي وبالتالي فإن الروائح الكريهة تؤذي الواصلين إليه. وأرى أنه على السلطات العمومية التدخل لحماية الجسور المعلقة، وتكوين أشخاص في علم الجسور وتكوين مواطنين حقيقيين يسهرون على هذه التحف الربانية التي لا توجد سوى في قسنطينة، كي تصبح ثروة حقيقية للمستقبل.