الإيروتومانيا أو هوس العشق.. توهم الحب الذي يتحول إلى مطاردات وتحرشات
يقول ابن حزم في كتابه “طوق الحمامة”: “الحب أعزّك الله داء عياء وفيه الدواء”. والحقيقة، أن هذه المقولة لم تُجانب كبد الحقيقة. فالحب فعلا يمكن أن يتحول إلى داء أو مرض عقلي. بدليل ما يسمى الإيروتومانيا أو هوس العشق، الذي يتوهم المريض به أن شخصا آخر واقع في غرامه، ويُرسل له إشارات سرية، ليُظهر له إعجابه وحبه له، كالنظرات وغيرها.. وهو الاضطراب الذي قد ينتهي بكوارث، بسبب مطاردة مُتوهم الحب لمعشوقه والتحرش به.
هوس الحب
الإيروتومانيا Erotomania كما توضح دكتورة علم النفس العيادي، فاطمة الزهراء مروك، صاحبة عيادة الزهراء للعلاج النفسي بعنابة: “هو اضطراب نفسي معقد. يتوهم فيه المصاب أن شخصا آخر مشهورا أو شخصية اجتماعية مرموقة أو معروفة، يُكن له حبّا سريا. ويُفسر تصرفاته وسلوكاته على أنها موجهة له، حيث يكون على يقين تام من هذا الحب، لدرجة تأكده من وجود علاقة غرامية مع هذا الشخص. ولا يمكنه تقبل الحقائق التي تُثبت عكس ذلك. ولقد وصف هذه المتلازمة لأول مرة “جي جي.دي كليرامبولت”De Clrambault’s Syndrome في عام 1885، الذي ذكر العديد من المرضى الذين عانوا من هوس الحب تجاه الملك جورج الخامس، كحالة امرأة كانت تقف خارج قصر بيكنجهام لساعات طويلة، متوهمة أن الملك يتواصل معها عبر حركة الستائر.”
إيروتومانيا
وتسمى هذه المتلازمة بشكل عام Erotomania، التي تتميز، بحسب محدثتنا: “بفكرة وهمية عادة ما تصيب المرأة، مفادها أن رجلا تعتبره أعلى منها من حيث المكانة الاجتماعية والمهنية يحبها. فتبدأ في تطوير عملية وهم معقدة حول هذا الرجل وحبه وملاحقته لها، مع عدم قدرتها على الهرب من قبضته العاطفية.وقد تستمر هذه المتلازمة من بضعة أسابيع إلى بضعة أشهر في العادة.. ثم يحل محلها وهم مماثل حول رجل آخر. ولكن، في
الشكل الثابت قد تستمر الحالة لعدة سنوات. وقد يتم تشخيص المصابين بهذه المتلازمة على أنهم مصابون باضطراب البارانويا.”
المرأة أكثر توهما للحب
هوس الحب، هو اضطراب نادر وأكثر شيوعا عند النساء، ولكن الرجال عرضة كذلك للإصابة به. ويمكن أن تظهر أعراضه بعد البلوغ في بداية الشباب. والعلامة الأكثر وضوحا له، مثلما تشير المختصة النفسية مروك: “هي الاعتقاد بأن شخصا ما لديه مشاعر قوية تجاه المصاب تصل لدرجة العشق. ويُترجم الشخص المهووس كل تصرف صادر عن المهووس به بأنه رسالة ضمنية يُعبر له من خلالها عن حبه. وهو ما يساعده على تحسين مزاجه ورفع تقديره لذاته. ولكنه قد ينزعج عندما يخبره أحدهم أن هذا ليس صحيحا. وأنه يعيش في الوهم. وقد يظهر هذا الاضطراب دون سبب واضح. ولكن، يرجح الجانب البيولوجي وأنماط التربية والأساليب الوالدية والضغوط في الإصابة بالمتلازمة.”
مطاردة وتحرشات
لهوس العشق تداعيات، قد تكون هدامة لحياة العاشق. فهذا الاضطراب قد يدمر مسيرته العملية وعلاقاته الاجتماعية، لكونه يُلهيه عن الاهتمام بواجباته ومسؤولياته. كما أنه قد يُلحق الأذى بالمعشوق. فالمريض قد يلاحقه ويطارده ويتحرش به، أو قد يؤذيه جسديا وينتهك خصوصيته، مثلما حدث لأستاذ جامعي محترم جدا مع كل طلابه. ولكن ذلك، لم يمنع إحدى طالباته من تطوير مشاعر حب جارفة تجاهه، لا، بل، وكانت تتوهم أنه يبادلها المشاعر، ولكن زواجه من امرأة أخرى يمنعه من التصريح لها بحبه. وهذا ما كان يجعلها تترجم كل حركاته وسكناته ونظراته وكلماته على أنها إشارات ورسائل مشفرة، يعبر لها فيها عن حبه السري.. ثم تفاقمت حالتها مع الوقت، لدرجة توهمها أنه يرغب في الزواج منها. ولكن زوجته تقف كحجر عثرة في طريقهما. ما دفعها للذهاب إليها وتهديدها. الأمر الذي خلق للأستاذ المهووسة به مشاكل عظيمة، كادت تنتهي بطلاقه وفصله من الجامعة التي اضطر إلى تغييرها والانتقال نهائيا من المنطقة التي كان يقطنها. أما العاشقة المهووسة به، فلقد توقفت عن الدراسة، وكادت تنهي حياتها، لولا تدخل أهلها الذين اصطحبوها للعلاج النفسي.
دعم العائلة ضروري
علاج اضطراب توهم الحب صعب، كما تؤكد الدكتورة مروك: “بسبب طبيعة المعتقدات الوهمية. والوحيد المخول بتشخيصه هو الطبيب المختص في الأمراض العقلية. وغالبا، ما يبدأ العلاج بالأدوية، وخاصة مضادات الذهان. وذلك للمساعدة على التحكم بالأوهام ومنعها من التفاقم، إضافة للعلاج السلوكي المعرفي. كما قد يكون الدعم الأسري مفيدا في تعافي المريض.”