الرأي

الاحتراف في كرة القدم: وسيلة للخروج من الفوضى

عابد شارف
  • 4918
  • 0

من الممكن أن يساهم الاحتراف في كرة القدم في بناء مؤسسات عصرية… لكن من الممكن كذلك أن يؤدي الى انتشار أكبر للفوضى.

دخلت كرة القدم الجزائرية مرحلة تحضير الاحتراف بداية هذا الشهر، في وقت يستعد الفريق الوطني لدخول منافسات كأس العالم. ورغم أن السلطات الجزائرية تخلط بين الاحتراف وتنظيم هياكل كرة القدم، فإن القرار الذي أعلن عنه وزير الرياضة الهاشمي جيار سيفتح بابا يسمح للرياضة الجزائرية أن تتقدم، شريطة ألا يتم تحطيم المشروع مثلما تم تحطيم الأحزاب والمؤسسات الاقتصادية وغيرها.

وكان لا بد من إعادة النظر في تنظيم منافسة كرة القدم الجزائرية بعد الفشل الواضح والمأزق الذي توصلت إليه الكرة. ويظهر ذلك من خلال الفريق الوطني الذي لا يضم أي لاعب ميدان من البطولة الوطنية، في حين أن لاعبين يظهرون متواضعين في البطولات الأوروبية فرضوا أنفسهم في الفريق الوطني وقهروا اللاعبين المحليين.

وإذا كان ضعف البطولة الوطنية دافعا أساسيا للتفكير في تنظيم جديد، فلا بد من الإشارة إلى أن المشروع الذي أعلن عنه وزير الرياضة يبدأ بطريقة خاطئة، مع توظيف الكلمات في غير محلها. ويتضح ذلك من خلال كلام الوزير الذي يصرح أنه يريد المرور من مرحلة رياضة الهواة إلى الاحترافية. لكن الواقع الجزائري يشير إلى أن الوزير أخطأ، لأن كرة القدم في القسم الوطني الأول تخضع لنظام الاحتراف، حيث أن كل اللاعبين والمدربين يعيشون من مهنة واحدة وهي كرة القدم. والمحترف هو الذي يعيش من حرفته، مع الاعتراف أن بعض اللاعبين يحصلون على مداخيل عالية جدا. ومعروف مثلا أن بعض لاعبي وفاق سطيف انضموا إلى فريقهم مقابل مبالغ بين ملياري وثلاث مليارات…

ومن المعروف كذلك أن الأموال تتدفق بغزارة في كرة القدم الجزائرية، حتى وإن كانت لا تعطى أحيانا لأهلها، كأن يتم استعمالها مثلا في شراء المقابلات… وأدى تدفق الأموال إلى تخريف روح المنافسة أحيانا، ودفع الكثير من الفاعلين في الميدان إلى اعتبار الجانب الرياضي ثانويا، سواء باستعمال الرياضة من أجل الحصول على المال أو على النفوذ، وحتى استعمال الرياضة لأغراض سياسة.

ولما أراد وزير الرياضة تغيير هذا الوضع، فإنه أخطأ في الطريقة، واستعمل الوسائل السهلة التي يمكن تحريفها بسهولة. واكتفى الوزير بالقول إنه سيعطي المال ويساعد النوادي التي تفضل الاحتراف، وهي أسهل الطرق حيث أنه سيكتفي بإمضاء الصكوك والقرارات الإدارية، في حين أن كرة القدم الجزائرية تحتاج إلى دواء آخر، يتمثل في إقامة قواعد شفافة تحترمها كل الأطراف، بمن فيها الوزير.

ومن المعروف مثلا أن اللاعبين يحصلون على مبالغ هائلة، وأنهم يمضون عقودا أمام الموثقين، لكن مداخل اللاعبين لا تخضع للضرائب، وكما أنه يتم توزيعها عبر شبكات غامضة. ومن هذا المنطلق، فإن الاحتراف يشمل حقيقة بعض القرارات، مثل توفير حد أدنى من الوسائل المادية للأندية، لكن ما تحتاجه الكرة الجزائرية يتمثل أساسا في إقامة هياكل ومؤسسات تعمل طبق قواعد معروفة تحترمها كل الأطراف.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي، لأن إمضاء صك وتوزيع الأموال قضية سهلة جدا، بينما يشكل بناء فريق وبناء مؤسسات قوية هدفا صعبا يتطلب عملا متواصلا لسنوات طويلة. ولحد الآن، يجب الاعتراف أن الجزائر لم تتمكن في السنوات الأخيرة من بناء مؤسسات سياسية واجتماعية واقتصادية، ولا يوجد أي مؤشر يوحي أنه يمكن بناء مؤسسات رياضية قوية. إضافة إلى ذلك، فإن ملاعب كرة القدم كانت أول مساحة حررها المجتمع الجزائري، ليحولها إلى مجال يعبر فيها عن غضبه بطريقة جملية أحيانا ووحشية أحيانا أخرى، ولذلك يصعب لمؤسسات اقتصادية بسيطة أن تدجن مثل هذا الفضاء.

وبسبب قوة العواطف والهيجان التي تسود ملاعب كرة القدم، فإن التحكم في ميادين كرة القدم يبقى صعبا جدا، والسلطة نفسها فشلت في التحكم الدائم في الملاعب رغم أنها تستعمل كرة القدم لأغراض سياسية مثلما حدث مع المقابلة الشهيرة ضد مصر.

إذا استطاعت الجزائر أن تبني بطولة محترفة في كرة القدم، فإنها ستفتح بابا نحو بناء مؤسسات عصرية، ويعني ذلك أن بناء مؤسسات اقتصادية وأحزاب ممكن، وأن البلد قادرة أن تخرج من الفوضى… وهل تقبل السلطة تجربة من الممكن أن تبرهن أن الجزائريين قادرون على بناء مؤسسات مستقلة؟

مقالات ذات صلة