الاستبداد الأصغر!
قبل يومين، بثت قناة العربية شريط فيديو لمعلّم مصري في إحدى المدارس، وهو يقوم بتعذيب عدد من تلاميذه الذين لم يتجاوزوا سن العاشرة، والفيديو صادم جدا، متعب نفسيا، وموجع أكثر من فيديو حرق الحمار الذي تداوله البعض، وكتبت عنه الصحف ومواقع الأنترنت!
-
معلمٌ يتحول إلى وحش، وتلاميذ صغار، أضحوا لقمة سائغة بين يديه، في صورة بشعة، تدل على أن الظلم، والقمع، والاستبداد، والتعذيب، والإرهاب، ليست ممارسات محتكرة من طرف الأنظمة العربية فحسب، أو أجهزة أمن الدولة، والمخابرات التي تقوم الشعوب حاليا بتطهيرها، شبرا شبرا، وزنقة زنقة، بل قد يكون القمع والإرهاب، مفردة متكررة وسلوكا قائما بذاته، وراء كلّ بيت أسري، أو بين جدران قسم بمدرسة، أو حتى داخل غرفة علاج بمستشفى.
-
الصور الرهيبة، وغيرها كثير، تذكرنا بالقاعدة التي تقول، كما تكونوا يولى عليكم، حيث أننا في حقيقة الأمر، لم نرض كل تلك السنين، بالاستبداد والقمع، وممارسة الإرهاب، وبتولية من هم قساة القلب، غلاظ الأكباد علينا، سوى لأننا فعلا، نمارس ذلك بيننا، بشكل أو بآخر، وعلى مستويات متفاوتة، ولعل كلّ واحد منا، وما إن يحصل على جزء من السلطة والنفوذ، إلا وتستيقظ داخله الشرور ويحيا بين ضلوعه، شيطان القمع، وتنشط نفسُه الأمّارة بالسوء، فيحوّل حياة الآخرين إلى سواد في سواد على قدر استطاعته.
-
الرؤساء الذين لا يحترمون شعوبهم، لم يستمروا في الحكم كل تلك المدة، إلا لأنهم حكموا شعوبا لا يحترم أفرادها بعضهم البعض، يسكتون عن الحق، ويقدسون الباطل، لا يكترثون للقريب إن كان مهموما، أو نام جائعا، أو فقد حبيبا، كما أن العذاب الذي وقعت تحته العديد من الشعوب العربية، هو عذاب اقترفت جلّه بأيديها، ولولا طغيان المادة، وانتشار الجور، وقلة الوعي، واستقالة الضمائر، لما كان هنالك رئيس عربي فاسد واحد، أو لكان كل مسؤول، قد خشي على نفسه وحياته وأملاكه، من محاسبة شعب لا يحب الظلم ولا يمارسه.
-
أحد القيادات العسكرية في مصر، وفي عزّ الثورة، خاطب مجموعة من الشباب قائلا: “أنتم شعب لا يستطيع أحد أن يحكمه، قتلتم عبد الناصر بالسم، واغتلتم السادات، والآن تطردون مبارك”!! كلام وإن كان فيه مقدار كبير من التجنّي والظلم، وغياب الوعي، إلا أنه يعكس فعلا، صعوبة أن تحكم شعبا عربيا، لا يحترم العلم والعلماء، يستأنس بالاستبداد، ويعشق الوصاية، وحين يثور، لا يكمل الثورة، ويعجز عن البناء، مفضلا البقاء في الخراب.