الاقتصاد الوطني: الديناميكية لا تُستَورد
لماذا لم يعرف الاقتصاد الوطني الطريق نحو الديناميكية التي تضعه على سكة الالتحاق فعلا بالدول الصاعدة؟ لماذا نراوح مكاننا منذ عقود من الزمن لا نعرف سوى التنمية المُزيَّفة القائمة على اقتصاد التعليب والملء والزعم بأن ذلك منتج وطني من الحليب إلى المشروبات المختلفة إلى المياه إلى البن إلى السكر إلى السميد إلى السيارات… فضلا عما يتم استيراده جاهزا لا ندري كيف صُنع وأحيانا حتى مَن صنَّعه فنستهلكه بلا تردد ثم نُسارع فنشتري الدواء لعلاج ما تسبب لنا فيه من أمراض؟ ما الذي منع من أن تكون لنا بداية اقتصادية حقيقية مَبنية على أسس صلبة تستمر في الزمن وتعُطي نتائجها ولو بعد عشرين عاما مما سيسمح لنا بتحقيق ما توقعه لنا صندوق النقد الدولي بأن نصبح سنة 2030 ضمن مجموعة العشرين؟
في تقديري، المشكلة بالأساس هي في نوعية القيادة السياسية التي مازالت لا تُحسن اختيار نَمط التنمية الملائم لبلادنا في الوقت المناسب وتكاد مرة أخرى تضيع لنا فرصة الالتحاق بالركب، نتيجة اقتصارها في كل مرة على فورات اقتصادية وأحيانا شبه انتفاضات مؤقتة ما تفتأ أن تهدأ ثم أن تنتهي بعد انتهاء العامل الضاغط المتسبِّب بها.. حدث هذا في منتصف الثمانينيات عندما تصوَّر بعض السياسيين أن الحل في إعادة الهيكلة وتفكيك المؤسسات الاقتصادية الكبيرة التي أنتجها ما عُرف بسياسة الصناعات المُصنِّعة التي اعتمدتها الجزائر في عقد السبعينيات، وانتهت المحاولة بقضية الـ26 مليار دولار التي اعتبرها رئيس الحكومة الأسبق عبد الحميد إبراهيمي آنذاك، أنها قيمة الهدر في الموارد المالية للبلاد نتيجة سوء التسيير أو الرشوة أو ما إلى ذلك…
وانتهت تلك “الفورة”، بأحداث أكتوبر 1988، ورُفعت بدلها راية “الانفتاح” و”اقتصاد السوق”، واعتبر ذلك هو المخرج الذي سيُحدِث الديناميكية المنشودة للاقتصاد الوطني، إلا أن هذه الراية ما كانت لتعلو راية الإصلاحات السياسية التي تم طرحها كبديل للراية الاقتصادية. وتم إفهام الناس بأن الحل في التعددية السياسية قبل أي إصلاح اقتصادي، بل أن هذا الأخير لا يُمكن أن يتم من دونها، بالرغم من أن الصين فعلت ذلك بحزب سياسي واحد وهي اليوم أوّل اقتصاد في العالم.
وهكذا، بدل العمل بأقل الخيارات سوءًا، أي إيجاد التوازن المطلوب بين اقتصاد السوق والتعددية السياسية حتى لا نتحدث عن الديمقراطية، مالت كل الكفة لصالح تعددية تكاد تكون فريدة من نوعها في المنطقة، بدل أن تحقق ما كان متوقعا منها، من انفتاح سياسي على التجربة الغربية سيكون ملائما لانفتاح اقتصادي، حققت العكس تماما، حيث فاز الحزب الأكثر راديكالية في التعامل مع الغرب بالأغلبية (الجبهة الإسلامية للإنقاذ) وكاد يُغيِّر طبيعة النظام السياسي برمته وطبيعة كافة الخيارات، مما أدى إلى الانقلاب عليه ومنعه من تجسيد فوزٍ حقَّقه ميدانيا من خلال انتخابات جرت لأول مرة في الجزائر بشكل تعددي حقيقي.
وانهار الخيار الاقتصادي أمام هذا الخيار السياسي، وكان ذلك إيذانا بأن الدولة برمَّتها أصبحت على حافة الانهيار، مما أدى إلى بروز خيار ثالث على حساب الاقتصادي والسياسي، وكان أمنيا بامتياز. وتفَوّق هذا الخيار على باقي الخيارات. وحَكم التوجهات الكبرى التي عرفتها البلاد في عقد التسعينيات، إلى أن اضطر الجميع إلى البحث عن مخرج غير المواجهة والاقتتال، فكانت خيارات الرحمة فالوئام فالمصالحة الوطنية فالعودة إلى البحث عن ديناميكية اقتصادية واجتماعية للبلاد.
وكانت تلك بالفعل هي مبررات حقبة ما بعد سنة 1999، حيث أصبحت الغاية الأولى استكمال استعادة الأمن عبر ربوع الوطن، والشروع في عملية بناء حقيقية للاقتصاد الوطني.
ما الذي حدث؟
لقد استعادت الجزائر بالفعل أمنها واستقرارها بدرجة كبيرة، وخرج الجميع بدرس لن ينسوه أبدا: أن نعمة الأمن لا تُقدَّر بثمن، بل أنه هو أهنأ عيش على حد تعبير الإمام الماوردي رحمه الله، وأنه بإمكانهم أن يعيدوا بناء اقتصادهم الوطني وكل بلادهم في ظل الأمن والطمأنينة.. وعزَّزت البحبوحة المالية التي عرفتها البلاد من ثقتهم في ذلك، إذ بلغت أسعار المحروقات أرقاما قياسية في بداية القرن العشرين. وتمكنت البلاد من تحصيل أكثر من 850 مليار دولار على الأقل… ولكن الجميع فوجئوا في آخر المطاف، بأن ذلك لم يكن كافياً لتحقيق الديناميكية الاقتصادية المطلوبة وإن حقَّق الزيادة في الناتج الوطني الخام محسوبا لتعادل القدرة الشرائية PIB/PPA (الأساس الذي أقام صندوق النقد الدولي عليه توقعاته).. وكانت الصدمة كبيرة بعد أكثر من 10 سنوات من البحبوحة المالية؛ إذ لم تُقلِع الجزائر برغم كل الإمكانات الهائلة التي تحصَّلت عليها وبرغم الاستقرار والأمن؟
وبعد مرور هذه الفترة الذهبية، اكتشفوا أنهم ما زالوا يستوردون في 2016 بما قيمته 46 مليار دولار، أغلبها يذهب إلى الاستهلاك (8 ملايير دولار للغذاء، و8 ملايير للسلع الاستهلاكية غير الغذائية، و14 مليار دولار للسلع الأخرى، و15 مليار دولار تجهيزات) (الأرقام لوزارة المالية، الفواصل تقارب مليار دولار).. وأنهم لا يُصدِّرون سوى 28 مليار دولار، 96 بالمائة منها محروقات! أي إن بلادهم تَعرف عجزا تجاريا بأكثر من 17 مليار دولار… وكما في كل مرة يشعرون بالحاجة إلى “فورة”، إلى انتفاضة، إلى حالة غضب، فتسارع حكومتهم إلى إعلان إجراءات جديدة: سياسة تقشف، برنامج وطني للنمو، رخص للاستيراد، صرامة أكثر في الإنفاق… وتبدو الإجراءات التي يتم الإعلان عنها وكأنها تأتي بعد فوات الأوان، ولا يتقبل “التجار” ومَن اعتبرتهم الحكومات السابقة “مستثمرين” ما أصبح يبدو لهم تعسُّفا، بل ويُهدِّدون بتسريح آلاف العمال… كيف يقبلونه، وكيف لا يُهدِّدون، وكان أغلبهم يستورد بلا رقيب ولا حسيب، ويُضخِّم الفواتير، ويسمون شركاتهم “للتصدير والاستيراد”. أما أفضلهم، فكان يقوم بملء علب السكر، أو البقوليات، أو الشاي أو يُحمّص القهوة أو يَخلط الماء ببودرة الحليب أو مُركَّز العصير، أو يَطحن الحبوب ويملؤها في أكياس… إلخ، وآخرها أن يُركِّب السيّارات! وكلها استيراد في استيراد (العلب والماكينات والمادة المركزة أو الأولية أو المُصنَّعة)، ويُسمُّون أنفسهم مستثمرين وأحيانا مستثمرين كبارا…؟! كيف يقبلونه وهم الذين أصبحوا لا يترددون في الاحتجاج على منعهم من استيراد مغالق Bouchons هذه العلب، فضلا عن الاحتجاج على استيراد المواد الأوَّلية والرقابة على الفواتير وما إلى ذلك؟!
هل بإمكان أي حكومة اليوم أن تفتح جبهة صراع معهم دون أن يُحِدث ذلك اضطراباتٍ كبيرة في السوق يدفع ثمنَها المواطن الذي لا دخل له في كل هذا؟
ما العمل؟ كيف يمكن تصحيح هذا الخلل الذي أصاب الاقتصاد الوطني؟ وكيف يمكن إحداث الديناميكية المفقودة والوصول حقا سنة 2030 إلى مجموعة العشرين؟
يبدو أننا لا يمكننا القيام بذلك إلا ضمن النظرة البعيدة، أي ضمن مشروع مستقبلي يمتد على 25 سنة على الأقل، لا يمكننا تصحيح الأوضاع من خلال ما يتخذ من إجراءات عاجلة تبدو وكأنها علاج وما هي كذلك.. الإجراءات العاجلة هذه لن تُعيد الأمور إلى نصابها، ولن تُصحِّح الأوضاع، فمَنْ قَبِلنا أن يكون تاجرا أو مُستثمِرا وفق التقليد الذي كان ساريا، سيعتبر نفسه هو الآخر ضحية سياسة.. وسيُحدِّثك عن الجهد الكبير الذي بذله لكي يقوم بما قام به، إن لم يشتكِ إليك مِن مَنْعِ السياسة له أن يكون تاجرا حقيقيا أو مستثمرا حقيقا.. وهكذا.. ولن يبقى أمامنا سوى سيناريو أكثر عقلانية وواقعية، أن يتم إشراك الجميع في صوغ الرؤية المستقبلية للاقتصاد الوطني ضمن منظومة سياسية جديدة، تحمل بين أيديها مشروع قرار للمستقبل وتستطيع إقناع الجميع به، لعل هذا يُحقِّق الديناميكية المفقودة منذ عقود من الزمن، وهي على خلاف كل شيء لا يمكنها أن تُستوَرد.