البائعات المتجولات.. عندما تتحول الوظيفة إلى وسيلة للتحرش بالمنازل
“صباح الخير سيدتي .. أنا مندوبة مبيعات ولدي مجموعة من مواد التجميل أو التنظيف” هي العبارات التي أصبحت تشكل هاجسا لأغلبية المواطنين، فبمجرد سماعهم طرقا على الباب إلا وانتفضوا خوفا من أن يكون الطارق “مندوبا تجاريا”، ففي وقت يصفهم فيه الغالبية بالمزعجين يكابد هؤلاء الباعة الويلات ويتحملون الكثير من المضايقات والتحرشات بالأخص الجنس اللطيف لتجميع مبلغ مالي بسيط يدفعن به شبح البطالة. “الشروق” تقربت من بعض مندوبات المبيعات وراحت تدردش معهن حول يومياتهن الصعبة والمريرة.
“سيليا، سمية، مريم …” وغيرهن كثيرات من الفتيات في العشرينات من العمر، اعتدن على الاستيقاظ صبيحة كل يوم وحمل حقيبة المنتجات ليجبن بها مختلف الأحياء والشوارع، طارقات البيوت ولسانهن يردد أسطوانة حفظنها في محاولة يائسة منهن لإقناع أحد الزبائن أو الزبونات بشراء بضاعتهن، ومع أول طرقة يشرعن بابا للمشاكل والإزعاج وأحيانا لوابل من السب والشتم دون أن يكون لهن ذنب في ذلك، مشهد يتكرر كل يوم تحت أشعة الشمس الحارقة وفي أمطار الشتاء بحثا عن لقمة العيش.
هامش ربحنا قليل وأصحاب الشركات يستغلوننا
البداية كانت مع “سمية” جامعية تبلغ من العمر 23 سنة، طالبة ماستر علوم تجارية، معتادة على العمل كمندوبة تجارية منذ 5 سنوات، وقد تعاملت مع العديد من الشركات في بيع مختلف المنتجات، بدءا من شركة لصناعة الأجبان والزبدة، وصولا إلى مواد التنظيف ومرورا بمواد التجميل، فاستغلال أصحاب هذه الشركات والمستوردين هو الذي جعلها تتنقل في كل مرة، فمستخدميهم يستغلونهم أبشع استغلال وهامش الربح ضئيل جدا، ففي بدايتي تعاملت مع شركات يمنحوننا السلعة ويضعون سعرها ويطلبون منا أن نبيعها مثلما نريد، مثلا يمنحوننا مجموعة من مواد التنظيف سعرها 600 دج، ويطلب منا أن نبيعها بالثمن الذي نريده مع تسليمه أمواله، لكن ليس بوسعنا رفع السعر واحتسابها بألف دينار فستصبح غالية ولايشتريها الزبائن، لذا تكون زيادتنا نسبية جدا فأحيانا ما نجمعه من جولاتنا لا يتعدى ألف دينار في اليوم، خاصة إذا كانت البضاعة مرتفعة الثمن.
أما أصحاب شركات أخرى وبالأخص مواد التجميل فيتعاملون معنا بالنقاط ،وهنا الكارثة فعندما تصلين لعدد معين من النقاط يمنحونك مبلغا ماليا لذا أصبحت أتفادى العمل مع مثل هذه الشركات، بل أحبذ تلك التي أتفق معها على مرتب شهري ونسبة من هامش الأرباح ومع أنها قليلة جدا من تحبذ هذه الصيغة في التعامل لكنها تظل الأفضل.
زبائن يلفون أرقام الهاتف مع الأوراق النقدية وزبونات يشتمننا
تتدخل سمية والتي كانت تطرق بشدة الباب المجاور، غير أن الباب لم يكن يفتح لتنضم إلينا وتقول: ليت الأمر يتوقف عند استغلال أصاحب الشركات لكان هذا أرحم بكثير، فنحن نعاني من مضايقات الزبائن، تصوري هناك من يرفض أن يفتح لنا الباب ويطالبنا بالرحيل بطريقة مستفزة، وأحيانا نتعرض للسب والشتم فنكون ضحية لزوجة منفعلة، وتشاجرت لتوها مع زوجها.
أما التحرشات الجنسية فحدث ولا حرج، لتقص لنا موقفا تعرضت له مع أحد الزبائن، فبعد أن طرقت الباب وجدته شابا، أخبرته أنني أبيع مواد تجميل، واعتذرت منه لكنه طلب مني الانتظار فلربما ترغب إحدى سيدات البيت في الشراء، غاب فترة من الوقت ليعود ويطلب مني الدخول حتى أريه البضاعة بأريحية، لكنني تفطنت لحيلته ورفضت الدخول وطلبت منه مناداة الزبونة، فأخبرني أنه يريد مفاجأتها عندها انصرفت مباشرة خائفة، وتكمل محدثتنا بعض الزبائن من الرجال يضعون لنا أرقامهم الهاتفية رفقة ورقة العملات المالية التي يقدمونها لنا حتى نتصل بهم.
وعن أغرب موقف صادفته تكمل محدثتنا كان لسيدة تقيم في “عين طاية”، طرقت الباب لأعرض عليها منتجاتنا، لكنها بقيت تتحدث لها باكية من وراء الباب وطلبت مني أن أتصل بشقيقها، فزوجها احتجزها في المنزل ومنعها من الخروج من العمل، بعد أن كسر لها هاتفها النقال لتجد نفسها مرغمة على الاتصال به.
وتستطرد محدثتنا غالبية الزبائن يستقبلوننا بعبارات “مانشروش، بركاو ماتقلقوا فينا”، لكن إحدى الزبونات فقدت سيطرتها مرة وأمطرتها وصديقاتها بوابل من الشتائم، بعد أن اتهمتهن ببيع منتجات منتهية الصلاحية تسببت في إصابتها بالحساسية، ومع أنهن حاولن إفهامها بأنها المرة الأولى التي يقصدن فيها الحي، لكنها تعنتت ورفضت الاستماع لهن.