“البازقة”.. و”الحراقة”!
من قال إن ظاهرة “الحراقة” تحوّلت إلى مأساة جديدة، فلم يكذب، ولعلّ أكبر دراما، هي ركوب أطفال ونساء ورضع “قوارب الموت” للوصول إلى “فردوس” وهمي وراء البحار، تكذبه هذه الأيام تزايد الضحايا والمفقودين، في عرض البحر، فلماذا هذه العودة الغربية، وإلى متى؟
المتتبّع لتنامي أعداد المهاجرين السريين، رسم علامة استفهام وتعجب، خاصة بالنسبة للأولياء الذين يحملون معهم نساءهم وأبناءهم، والظاهر أن العملية مرتبطة مباشرة بـ “تيليفون” قادم من هناك، يفيد ويزعم أن “الأجانب” لا يطردون “الحراقة” إذا كانوا رفقة زوجاتهم ورضّعهم!
يُريدون أن يزوّقوا “الحرقة” بالجانب الإنساني، وهذه المرّة يستخدمون الأطفال والنساء، خدمة لشبكات وعصابات منظمة، تشتغل أساسا ومنذ سنوات، في “تجارة” تسفير “المغرّر بهم” عبر قوارب الموت مقابل الملايين لـ”الرّاس”، ولكم أن تتصوّروا بداية جمع هذه المبالغ ونهاية المغامرة!
قد تكون الظروف الاجتماعية والمعنوية والمالية لبعض “الحراقة”، مأساوية، لكن هل فعلا يقرّر هذا النوع فجأة ومن دون سابق إنذار، الهروب بحرا، حاملا يافطة “ياكلني الحوت وما ياكولنيش الدود”، ويُغامر بحياته، وحياة أفراد عائلته أيضا، من دون أن يكون في ذلك إن وأخواتها؟
كان البعض من “تجار الأوهام”، قبل سنوات مضت، يبيع بضاعة “الكواغط” على الراغبين في الهجرة، ويعلمهم أن لا حلّ لتسوية وضعية الإقامة، سوى من خلال الزواج بـ”قاورية”، ونجحت عملية البيع والشراء مع البعض، قبل أن يصطدم أغلبهم بمشاكل عائلية في ما بعد، وصلت حدّ اختطاف أطفاله، فيما فشلت الأغلبية في تسوية أمورها رغم “حلّ” الزواج!
لقد عبّر أحد مغني الشباب عن هذه المأساة فقال: “يا حاوجي أنا كواغطي ما وجدوش”(..)، وبالفعل فقد ضاع عشرات ومئات الجزائريين من “الحراقة” الأوائل في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وألمانيا وكندا وغيرها من البلدان الأوروبية، نتيجة هذه الوثائق الملعونة، وعانى آخرون عند وفاتهم، فلم يتمكنوا من العودة إلى بلدهم في توابيت من أجل الدفن في مقابر المسلمين، إلاّ عندما اجتمع وتجمّع فاعلو الخير وجمعوا لهم تكاليف النقل عبر الطائرة!
هذه هي المأساة المبكية والمفزعة، موت في عرض البحر غرقا، أو بأنياب الحوت، أو بتعسّف قوانين أجنبية، أو بخرجة مفاجئة من “عجوزة” أجنبية، أو الموت في مركز تجميع “الحراقة”، أو بالطرد فارغ الوفاض، أو بالسلب من فلذة الكبد.. وكلها أوجاع لا يشعر بها إلاّ من جرّب وداس على الجمرة التي يقول المثل الشعبي بشأنها “ما يحسّ بها غير ألـّي كواتو”!