“الباندي” وقاع الوادي!
.. وكأنّ مقولة نجيب محفوظ مرجع؛ فضل ربي يؤتيه من يشاء بغير حساب؛ إن بعض الظن والشك يقتل أمل المرء في محاربة هذه الموبقات ولو بقلب؛ فما أدراك بمحاربته بالفعل.
.. صحيح أن مجرد اعتماد الانتقاد لا يحلّ مشكلة ولا يمنع تكرار ما يحدث من نهب لأموال الدولة، أي أن المجتمع نفسه عليه أن يتحرك بالتبليغ والإخطار والمشاركة في المحاربة؟
المناسبة مجرّد إتحاف الأغبياء بمفردات تبعث في عقول هؤلاء الفرح والمرح لنزع ستار الحياء بين الكبير والصغير، حتى لا يبقى بين الناس احترام؟ هل الصحفي لا يطلع على خبايا الأمور التي يسمع أخبارها؟ أم وظيفته تمنع عنه التدخل فيما لا يعنيه؟ مسؤوليتنا جميعا أمام الدين عظيمة فلا ينجو منها من سكت على ضررها.
.. أستاذ لعلامي، إن كل الشعارات لا تجعل من مال السرقة حلالا، وإن أبعد اللصوص الشبهة عن أنفسهم أمام العباد، فشعارهم لا ينفعهم أمام الله، لأنه يراقب ويحاسب كل عبد حسب أفعاله.
… هذه بعض تعليقات القراء على عمود “هذا من فضل ربي”، والحقيقة أن مكافحة السرقة والنهب والفساد، تتطلب أيضا ثورة أخلاقية وتربوية، في كلّ القطاعات والميادين وحتى في البيوت، فقد تحوّل والعياذ بالله “الباندي” إلى موظف يحسده الكثير من الناس!
عندما يعتقد ضعاف النفوس والطماعين، أن السرقة هي الطريق الوحيد والأسرع للثراء وحلّ المشاكل، فمن الطبيعي أن يتحوّل “السارق” إلى “نجم” بعدما كان منبوذا يتعمّد الجميع ملاقاته حتى لا تلتصق بهم الشبهة، وحتى لا يُقال فيهم بما ليس فيهم!
التنحية التي تعرّض لها بعض الوزراء والولاة، خلال التغييرين الأخيرين، حتى وإن كانت متأخرة في نظر المتسرّعين، بدأت تكشف الغابة التي كانت تغطيها الشجرة، وبدأ الذائب من جبل الجليد ينكشف وتتضح سلسلة التجاوزات والانحرافات التي انتهت أو كادت بعجز في الخزينة العمومية!
نعم، انهيار أسعار البترول هو السبب، وانقراض البدائل العاجلة والجاهزة هو السبب أيضا، لكن استباحة المال العام بالصفقات المشبوهة والقروض الضائعة في مشاريع وهمية وافتراضية، ونهب العقار الصناعي والفلاحي، هو كذلك سبب مباشر أو غير مباشر للوضعية المعقدة التي تواجهها البلاد والعباد، بينما كان يُنظر إلى استغلال كلّ تلك الخيرات في التقدّم نحو الأمام بدل الخلف!
عندما نصل إلى وقف رغبة الطفل في لعب دور “السارق”، نكون ربما قد تجاوزنا مرحلة الخطر، بتصحيح المفردات الهدامة التي تسكن العقول وتزلزل ذهنيات إذا استمرّت ستنتهي بنا في قاع الواد!