الرأي

البحث عن “غرناطة” الأمازيغية

قرأت خبرا يحمل الكثير من الطرافة يفيد بأن: “المحافظة السامية للأمازيغية وقعت اتفاقا مع مؤسسة الأوروعربية” لعقد مؤتمر دولي في غرناطة في نوفمبر القادم بمشاركة باحثين جزائريين وإسبان لإبراز القيمة الرمزية لمدينة غرناطة التي أسسها الزيريون الأمازيغ سنة 1013م، بهدف إرساء شراكة أكاديمية وثقافية حول اللغة والثقافة الأمازيفية وتحسين المهارات (الشروق ـ الخميس 3 نوفمبر 2015).

ليس صدفة أن يعقد ملتقى دولي حول “الأصول البربرية” لغرناطة في الذكرى الـ523 لسقوطها في شهر نوفمبر سنة 1492م، وهو الشهر الذي أصدر فيه ملوكها الكاثوليك مرسوما (نوفمبر 1502) يجبر مسلميها على اعتناق المسيحية أو مغادرة الأراضي الاسبانية، والمفارقة العجيبة ليس في البحث عن آثار الثقافة واللغة الأمازيغية في “تاريخ بني أمية” في الأندلس هو تزامن هجرة السوريين إلى أوروبا والذين ستستقبل منهم إسبانيا 14 ألف وهم ينتمون إلى الدولة الأموية التي أسست غرناطة فهل التاريخ يعيد نفسه؟

مع بداية الربيع العربي ارتفعت أصوات بين أحفاد الموريسكيين – وهم المسلمون الذين هجّروا قسرا من إسبانيا لأنهم تمسكوا بإسلامهم يومئذ – تطالب إسبانيا بإعادة الاعتبار لهم بمنحهم “الجنسية الاسبانية” في الوقت الذي يرفض فيه المسلمون الذين أجبروا على اعتناق المسيحية  الجنسية الاسبانية” ويطالبون بالحفاظ على جنسيتهم الأندلسية.

لا يزال الأسبان يستخدمون كلمة Morisco التي تعني سكان شمال إفريقيا في حديثهم عن المسلمين الذين قبلوا البقاء في إسبانيا وحافظوا على إسلامهم سرا، والموريسكيون حسب الموسوعات التاريخية هم “المسلمون الذين كانوا تحت حكم الأمويين في إسبانيا وخيروا بين اعتناق المسيحية أو مغادرة بلدهم، وهم يمثلون أقليات من العرب والبربر والأوروبيين فما الدافع للبحث عن اللغة الأمازيغية والتراث الأمازيغي في هذا الوقت بالذات؟ وهل مهمة المحافظة السامية للأمازيغية التنقيب عن تراث الجزائر في إسبانيا التي احتلتنا خمسة قرون؟

ليس من حق أي مؤسسة ثقافية تزوير التاريخ لأنه ملك للشعب الجزائري، فنحن نعتز بطارق بن زياد الذي هو جزائري بربري مسلم ينحدر من عين أزال بجنوب ولاية سطيف، وقاد 7 آلاف رجل ليحط بشبه جزيرة الأيبيرية والتي حملت فيما بعد اسمه “جبل طارق” وكان يفترض أن يعاد رفاته من دمشق التي توفي بها عوض أن نبحث عمّا يسمى بـ”التراث البربري المشترك” مع إسبانيا، لأن طارق بن زياد قاد معركة لفتح الأندلس كمسلم، بينما قاد ابن الأحمر الأموي معركة “العقاب” ليسقط دولة الموحدين ويصبح سلطانا على غرناطة التي ارتبطت اليوم بقصيدة الشاعر السوري نزار قباني التي يبدأها بقول:

في مدخل الحمراء كان لقاؤنا

ما أطيب اللقيا بلا ميعاد

………..

غرناطة؟ وصحت قرون سبعة

في تينك العينين بعد رقاد

وأميّة راياتها مرفوعة

وجيادها موصولة بجيادي؟

وينهي قصيدته قائلا:

عانقت فيها عندما ودعتها

رجلا يسمى طارق بن زياد.

كان يفترض على المحافظة السامية للغة الأمازيغية أن تترجم الأعمال الجزائرية المكتوبة باللغة العربية والفرنسية إلى الأمازيغية وأن تعمل على البحث عن ترقية للحروف التي تكتب بها، فإذا اختار “الطارقية” فعليها بتطوير الحروف المتواجدة وإذا اختارت الحروف العربية فعليها بالبحث عن المشترك والمختلف بينما.

غرناطة هي مدينة إسبانية يتغنى الإسبان بها وحافظت على الآثار الإسلامية، فصارت إلى جانب قرطبة قبلة السيّاح لأنها تذكرهم بعصر من عصور النهضة وقد زرتها ولم أعثر الاّ على وثيقة مؤسسها العربي ومن سلّمها للاسبان فما الهدف من الادعاء بأن (الزيريين هم مؤسسوها) وهم قبيلة تنتمي إلى صنهاجة التي تعتبر فرعا من فروع “البرانس”؟.

ليس من مهمة المحافظة السامية البحث في الاسبانية عن المفردات الأمازيغية أو البحث فيها عن المفردات الاسبانية، ذلك أن الدم العربي والأمازيغي هو الذي سال على أسوار غرناطة، واللغة العربية والبربرية هي التي يتحدث بها الموريسكيون سواء داخل إسبانيا أو خارجها.

فمتى يدرك من يصطادون في الماء العكر أن هروب السوريين إلى أوروبا حفاظا على حياتهم يختلف كثيرا عن تهجير مسلمي إسبانيا إلى المغرب العربي في القرن 15 لأنهم رفضوا التنازل عن عقيدتهم الإسلامية فما الذي تريده المحافظة السامية من اهتمامها بغرناطة؟، هل تبحث عن الأمازيغية كعنصر من عناصر هويتنا في تاريخ العنف المقدس، لقد تنبه المفكر الهندي مارتياسين في كتابه (الهوية والعنف) إلى خطورة الهوية الواحدة فطرح فكرة تعدد الهويات لمواجهة العنف، وعندما دعا محمد (صلعم) أنصاره إلى الهجرة إلى الحبشة لأنه أراد أن يجعل أنصاره يشعرون بأهمية تعدد الهويات، وسوريا هي البلد العربي الوحيد الذي يدخله مواطنو الدول العربية دون تأشيرة وتكمن قوته في مقاومة العنف في التعدد العرقي والديني ونجاح الديمقراطية في لبنان يعود إلى تطبيق أطروحة المفكر الهندي.

وتقلص الإرهاب في العهدة الأولى للرئيس بوتفليقة يرجع إلى وجود أكثر من تشكيلة سياسية في الحكومة، وعودته في العهدة الرابعة سببه تقلص عدد التشكيلات السياسية المشاركة في الحكومة والهيمنة الأحادية على الحكم.

مقالات ذات صلة