البغدادي وشارلي بين المقدّس والمدنّس؟
تبنى تنظيم الدولة الاسلامية في بلاد الشام والعراق (داعش) بقيادة أبو بكر البغدادي عملية الاعتداء على “أسبوعية شارلي” الساخرة، ومع ذلك فإنها أصدرت أمس عددا مترجما إلى 15 لغة حتى يطلع عليه القراء في جميع أنحاء العالم، بغلاف يحمل رسم النبي (صلى الله عليه وسلم) وهو يذرف دمعة ويحمل لافتة مكتوب عليها:”أنا شارلي”، وكأنها تتحدى مليار و500 مليون مسلم مثلما تحدت فرنسا العرب والمسلمين في تجمع باريس بدعوة الصهيوني نتنياهو للمشاركة في مسيرة ما يسمى “الجمهورية” وهو الذي قتل 17 صحفيا في غزة عام 2014 إلى جانب آلاف الأطفال والشيوخ.
أنا محمد ولست شارلي؟
هل ضيّع القادة العرب “عقولهم” حتى صار الفريق عبد الفتاح السيسي يستقبل رئيس “مؤتمر اليهود العالمي” وبات الأمين العام “السعودي” لمنظمة التعاون الاسلامي يدعو الحجيج إلى القدس المحتلة والصلاة فيها، وبقية قادة الأقطار العربية في تحالف دولي ضد تنظيمات صنفتها أمريكا ضمن خانة الارهاب في سوريا والعراق وليبيا، مستخدمين طائرات بلدانهم لقصف مدن عربية، وأضحى زعماء آخرون يلحقون الخسائر ببلدانهم وبلدان عربية أخرى، وشكلت قبائل عربية برلمانات وحكومات تتقاتل باسم “الشرعية” فهل حان الوقت لإعادة تقسيم الوطن العربي أم حان الوقت لضياع حقوق العرب والمسلمين؟.
كان أغلب منفذي اعتداءات الثلاثاء “11 سبتمبر 2001″ سعوديين فهل حمّلت امريكا السعودية مسؤولية ذلك؟، وعليه نقول للشيخ نصر الله أخطأت حين زعمت:”أن الجماعات التكفيرية أساءت للإسلام أكثر من الرسوم الكاريكاتيرية” ذلك أن الرسوم تبقى والجماعات تنقرض، ونقل السخرية بالأديان من جيل إلى جيل أخطر من تطرف يزول بزوال أصحابه، فالتصنيف الأمريكي لحزب الله بأنه “تنظيم إرهابي” لا يؤثر في معنويات أبنائه، أمّا الرسومات فهي السلاح الوحيد القادر على تشويه الآخر، لقد ناضل الرسام الفلسطيني ناجي العلي برسوماته لصالح الثورة الفلسطينية ورغم اغتياله فرسوماته بقيت شاهدة على وجود قضية اسمها فلسطين.
إن ما نشرته “شارلي إيبدو” من رسومات تحمل الكراهية للأديان بتشويه رموزها من يهودية ومسيحية وإسلام يجعلنا نتساءل: من هي الجهة التي نفذت عملية الاعتداء أو ليست إسرائيل صاحبة“الدولة اليهودية” والبغدادي صاحب “داعش” صحيح أن داعش تبنت العملية والمجرم هو المسؤول على الجريمة وليس المسلمون جميعا، كما قالت زعيمة الحزب الوطني الفرنسي التي فضلت التظاهر خارج مظاهرة السلطة الفرنسية التي تحمل ملامح حملة رئاسية مسبقة.
يتساءل المراقبون عن “المشروع الأمريكي– الأوروبي” وعلاقته بتغيير خريطة الوطن العربي وعلاقة الأخوين “شريف وسعيد كواشي” بالاستخبارات الأمريكية، وما حملته رسالة أبو بكر البغدادي إلى فرنسا عبر عملية استعراضية في وسط النهار باغتيال 12 صحفيا ورساما من صحيفة (شارلي أيبدو) بسبب الرسومات الساخرة التي نالت من شخصيته ومن “داعش“، لقد أدركت فرنسا أنها لا تستطيع أن تكون بديلا لأمريكا في “الحروب الاستباقية“، ولم تدرك حتى الآن أنها كانت سباقة إلى الاساءة إعلاميا إلى المسلمين والاعتداءات العسكرية على بلدانهم.
إذا كانت حملة “التضامن الدولي” مع صحيفة “شارلي إيبدو” الساخرة حملت شعار“أنا شارلي” فهذا لا يعني عند الكثير بأنهم مع مضامين رسوماتها ولا تصريحات مسؤوليها، وشعار“أنا مع شارلي” لا يعنيني كمسلم لأنني لا أتحمل جرائم البغدادي أو داعش أو القاعدة، ولا أتبنى مواقف الصحيفة، ولهذا أقول دون تحفظ
“أنا مع محمد” ومن يعتقد أن من اعتدى على أسبوعية شارلي انتقاما لـ“النبي محمد صلى الله عليه وسلم” هو مخطئ ومن يتوّهم أن المسلمين يتحملون مسؤولية الاعتداء فهو مخطئ أيضا، فالمسؤولية يتحملها من قام بها بغض النظرعن دينه وجنسيته، فمئات العمليات الارهابية وقعت في أمريكا وأوروبا ولم تنسب إلى جنسيات أصحابها أو معتقداتهم، فكيف نخشى من تداعيات ما وقع يوم الاربعاء 7 جانفي 2015 في باريس.
من تابع تغطية الفضائيات الفرنسية للعملية يكتشف دور الاعلام الاسرائيلي في توجيه الرأي العام، ممّا جعل التناقض يطفو على سطح الأحداث والارتباك يظهر جليا في تغطية الحدث والكل يدرك أن المجرم لا دين له ولا ملة ولا جنسية له، فهل نحارب التطرف والارهاب والجريمة والعنصرية بالأقلام والقانون أم بالسلاح والتحالفات العسكرية؟ ولماذا يصر الاعلام الفرنسي على مواصلة الاساءة إلى مشاعر المسلمين بالترويج للرسوم المسيئة للرسول (صلى الله عليه وسلم).
نشر الكاتب الأمريكي فيليب غوريفيتش مقالا في مجلة نيويوركر بعنوان: “القلم في مواجهة السلاح” يقول فيه:”نحن أصحاب الأقلام نحب أن نقول إننا نعتد أن القلم هو أقوى من السيف ثم عندما يهاجمنا شخص بالسيف أو الكلاشينكوف لاختبار هذا الادعاء نكتشف أننا لسنا على يقين مما ندعيهّ” في رده على عملية شارلي، لكن لماذا اختارت شارلي السخرية من الأديان وخاصة السماوية؟.
الوجه الآخر لشارلي إيبدو؟
يمثل كل من الرسامين جان كانو (77 سنة) الذي شارك في الحرب على الجزائر وعمل رساما في مطبوعات الجيش الفرنسي، والرسام جورج فولينسكي (77 سنة) الذي ولد في تونس من أبوين يهوديين من بولندا الوجه الآخر لشارلي التي أسسها الكاتب فرانسوا كافانا والفنان الساخر جورج بيرتيه باسم (هارا– كيري) عام 1960 فتولى الأول رئاسة التحرير والثاني منصب مدير، وعندما تلقت أسرة التحرير خطابا من أحد القراء وصفهم فيه بـ “مجموعة من الأغبياء الفشلة” اختاروا هذا الوصف شعارا لهم، وليس غريبا أن يذكرهم الكاتب البريطاني توني باربر في مقال له بجريدة فايننشال تايمز بـ“الأغبياء” لأنهم يستفزون المسلمين“.
وقررت الصحيفة عام 1969 إصدار ملحق أسبوعي أطلقت عليه اسم (هارا – كيري– ايبدو)، وعندما توفي الجنرال شارل ديغول (نوفمبر 1970) نشرت صفحة ساخرة حوله فقام وزير الداخلية آنذاك بحظرها فغيروا اسمها لتحمل اسم (شارلي ايبدو)، وهناك من يقول إن هذا الاسم مسروق من المجلة الشهرية الساخرة (Charlie mensuel ) .
توقفت شارلي ايبدو عن الصدور(1981- 1992) فالتحق رساموها بجريدة (جروس برثا) وهي أسبوعية تشبه شارلي، وعندما طرد كابو وجيبيه قررا إحياء مجلتها الخاصة (شارلي ايبدو) وتولى فيليب فال رئاسة التحرير وجيبيه منصب المدير الفني، وانطلقت من جديد سنة 1992، بدأت تعرف الانتشار الواسع بعد إعادة نشرها 12 رسما للنبي صلى الله عليه وسلم ظهرت في الصحيفة (بولاندس لوتنس) الدانماركية التي أعلنت بعد الاعتداء على شارلي ايبدو أنها لن تعيد نشر هذه الرسومات بالرغم من أن الفضل في شهرة هذه الجريدة يعود إلى إعادة نشرها الرسوم التي نشرتها وأثارت استياء في أوساط المسلمين، وفي أعقاب ظهور فيلم (براءة المسلمين) المسيء للرسول صلى الله عليه وسلم، أصدرت عددا خاصا يحمل غلافه رسما لكرسي متحرك يجلس عليه الرسول وفي رسم آخر يظهر عاريا.
حين فازت النهضة التونسية عام 2011 بالانتخابات التشريعية أصدرت عددا خاصا بعنوان “شريعة إيبدو” مع رسوم مسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم، فتعرضت إلى الرمي بزجاجات المولوتوف، وفي جانفي 2013 نشرت الجزء الأول من كتاب في 64 صفحة يضم رسومات ساخرة عن الديانات السماوية وفي مقدمتها الاسلام، واليوم هاهي تعود بدعم إعلامي فرنسي وأوروبي فهل هي بداية حرب إعلامية صليبية؟.
أعتقد أن سبب تنفيذ داعش عملية ضد “شارلي” لا علاقة لها بالرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما يعود إلى رسم نشر عن أبي بكر البغدادي مع تعليق يقول:”أطيب التهاني إلى البغدادي“، ويرد هذا الأخير قائلا: “وخصوصا بالصحة” إشارة إلى حملة التحالف، كما نشرت رسما لشخص ملثم يرتدي ملابس داعش ويحمل سيفا ويقطع به رأس النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتفوّه بكلمات مسيئة للنبي صلى الله عليه وسلم بعنوان “عودة محمد“.
أسقطت عملية داعش ضد شارلي ايبدو القناع عن أمريكا والغرب وكشفت عن الوجه الحقيقي للحرب الصليبية القادمة، وإذا لم يدرك المسلمون أنهم مستهدفون من تشجيع الغرب للتطرف والتسويق لما يسمى بـ“الارهاب الاسلامي” فإنهم سيتحوّلون إلى منبوذين في هذا العالم؟، ولهذا علينا أن نحاربهم بسلاحهم وهو الابداع.