الرأي

البُعد المنسي في مسألة الهُوية!

محمد سليم قلالة
  • 4289
  • 45

بعض الجزائريين، ربما لم يزوروا في حياتهم مرَّة واحدة منطقة القبائل، ولا عرفوا أهلها وثقافتهم ولا قراها ومداشرها النائية وجبالها ووهادها، ولا صلَّوا في مساجدها، أو نقّبوا في تاريخ زواياها، أو أدركوا بُعدَ تَعدُّد أضرحة مُصلِحيها ودُعاتها، أو شاركوا أهلَها أفراحَهم أو أحزانهم ليعيشوا عن قرب حقيقة القيم التي تحكمهم وحقيقة المجتمع الذي يُشكِّلون، وحقيقة الجزائر العميقة التي هي جزءٌ من وجدانهم وعقلوهم وقلوبهم بل هي كل وجودهم… ومع ذلك يُصدِرون الأحكام ويُسارعون إلى تعميم الأجزاء على الكليات والخصوص على العموم!

شبابٌ أراد تعميم تطبيق اللغة الأمازيغية اليوم عبر وطنه، وما الخطر في ذلك؟ شباب لم يجد غير راياتٍ تُميِّزه عن غيره ليُعبِّر عن وجوده فرفعها، هلاّ سألنا أنفسنا: وما الذي أوصله إلى ذلك؟ ما لذي جعله يبحث عن راية أخرى ليُعبِّر من خلالها عن رفضه لذلك التهميش الثقافي الذي طاله، وعن كونه أصيل الثقافة عميق الجذور؟ هل الخلل فيه أم في مَن أوصله إلى هذه الحال؟

لماذا لا ننظر إلى مطالبه أنها تصحيحٌ لنظرتنا في مجال الهُوية؟ بحث عن تعميق رصيد دولة أرادت أن تعصف بها الثقافاتُ الأجنبية؟ ألا تسعى دولٌ أقل عراقة مِنَّا إلى نفض الغبار عن تراث أجدادها حتى وإن لم يكن مشرِّفًا أو فيه ما يُذكِّرُهم بالإذلال والعبودية؟ لماذا لا نفعل نحن وتاريخ بلادنا العريق لا يذكرنا إلا بالبطولات والأمجاد؟ لماذا نستبعد عن أنفسنا مقومات القوة ونجعل منها أسبابا للضعف والفرقة والتشتت؟ ما الذي يجعلنا نفكر ضمن حدود ضيقة لنرى بأن تعزيز اللغة الأمازيغية فيه تقسيم لوحدتنا الوطنية، أو محاربة للغتنا العربية، بدل أن نرى في ذلك استكمالا لعناصر هويتنا وترسيخا أشد لمقومات شخصيتنا؟

إن مشكلتنا بحق هي في ضيق الأفق الذي يحكم تصورات بعض مسؤولينا وليست أبدا في وعي شبابنا.

شبابٌ أراد تعميم تطبيق اللغة الأمازيغية اليوم عبر وطنه، وما الخطر في ذلك؟ شباب لم يجد غير راياتٍ تُميِّزه عن غيره ليُعبِّر عن وجوده فرفعها، هلاّ سألنا أنفسنا: وما الذي أوصله إلى ذلك؟ ما لذي جعله يبحث عن راية أخرى ليُعبِّر من خلالها عن رفضه لذلك التهميش الثقافي الذي طاله، وعن كونه أصيل الثقافة عميق الجذور؟ هل الخلل فيه أم في مَن أوصله إلى هذه الحال؟

شبابنا يعيش عصره، في أي منطقة كان، علينا أن نفرح، لأنه يريد تعميق هويته في ظل تزايد مخاطر عولمة الهوية الواحدة. يريد استعادة أمجاد آبائه والعيش في ظلها بفخر واعتزاز منذ ما قَبْل الميلاد إلى أبطال ثورة نوفمبر. لماذا نمنعه من ذلك؟ لماذا لا نُشجِّعه على المضيِّ قُدما في ذلك، وندعمه بكل الوسائل لتعزيز ثقافته ولغته الوطنية عبر جميع ربوع الوطن. أليس في ذلك خدمة لكل الوطن؟ أليست تلك أفضل وسيلة ليتعارف الجزائريون أكثر في ما بينهم وليكسروا حاجز اللغة الذي يمنعهم من التواصل والاتحاد والقوة؟

إن ما يقوم به أبناء منطقة القبائل اليوم، على عكس ما يتصوره الكثير هو في جوهره نقيض الانفصال ذاته، ونقيض التجزئة ذاتها، بل صيحة مدوِّية، ضد محاصرة الهوية في منطقة واحدة، ومنعها من أن تكون بالفعل جزائرية. هل أدركنا هذا البُعد وعملنا على تعميمه؟

مقالات ذات صلة